الرأي

فاقد الشيء يعطيه

سوسن سعيد
«فاقد الشيء لا يعطيه»هكذا يقولون...يقولون إن من لم يذق طعم الحنان لا يعرف كيف يمنحه، ومن لم يُعطَ العلم لا يستطيع أن يزرعه، ومن عاش الحرمان لا يوزع سوى الحرمان.لكن، ماذا لو كان فاقد الشيء يعطيه..!ماذا لو كان من لم يُمنح، صار أعظم من يمنح؟والدي، الأستاذ سعيد.كان والدي يتلهف للعلم تلهّف الجائع للخبز. لم يكن حلمه بالدراسات العليا رفاهية، بل شغفًا يسكنه. الماجستير ثم الدكتوراه لم يكونا مجرد درجات، بل أبواب كان يشعر أنها تُفتح له، وأنه خُلِق ليعبر من خلالها. كانت عيناه تلمعان كلما تحدّث عن فكرة، عن بحث، عن مدرسة فكرية، كأن عقله لا يهدأ إلا وهو ينهل من العلم.لكن القدر وضعه في مفترق طرق. كانت والدته وحيدة، ولا بد من بقاء أحد أبنائها معها فكان هو من بقي.اختار أن يُرضي قلب أمه، وأن يؤجّل قلبه هو.اختار البقاء، رغم رغبته العارمة نحو العلم.ورغم أنه لم يُكمل دراسته كما أراد، إلا أن والدي استطاع أن يبني اسمًا يصعب بناؤه.بنى له مكانة راسخة في مجتمعه، وفي ميدان عمله، وكان معروفًا بين الجميع بالتزامه، وبحبه للعمل، وأمانته، وإخلاصه. لم يجعل شغفه بالدراسات العليا يصرفه عن النجاح في عمله، فقد كان النجاح بالنسبة له سيرة تُروى، وأثر يُرى.وقد استطاع أن ينجح بجدارة في مجاله الذي سلكه، وهنا بالضبط... يكمن النجاح الحقيقي.ورغم أن الحياة لم تعطه الفرصة التي تمنى، إلا أنه صنع لنا الطريق.أنا وأخواتي واصلنا دراستنا العليا، لا بجهدنا فقط، بل بيدين والدي التي دفعتنا، دعمتنا، ورفعتنا.كان يرى في كل شهادة نُنجزها قطعة من حلمه تتحقق.أتذكّر إحدى الليالي، حين كنت أدرس متعبة حد الانهيار. بكيت، ضجرت، تمنيت أن أترك كل شيء. لكنني حين تذكّرت والدي، كيف كان يسافر ويعود لأجلي، كيف كان يتابع خطواتي بتفاصيلها، شعرت أن تراجعي سيكون خذلانًا غير منصف لتعبه... لا لحلمي فقط، بل لحلمه الذي زرعه في قلبي.فقمت، وأكملت... لا من أجل الشهادة، بل من أجل الرجل الذي أعطى ما لم يُعطَ، وبكرم لا يشبه إلا قلبه.والدي الأستاذ سعيد لم يكن 'فاقد الشيء' حقًا... بل كان زارع الحلم.فمن قال إن فاقد الشيء لا يعطيه؟أنا شاهدة أن فاقد الشيء يعطيه... إذا كان يملك قلبًا مثل قلب والدي.