الرأي

تراث الإنسانية وأزمة الحياة المعاصرة

زيد الفضيل


وقع نظري مؤخرا وأنا أتجول ببصري في مكتبتي الشخصية على كتاب «تراث الإنسانية» الصادر في 12 جزءا مجموعة في مجلدين عن مكتبة الأسرة بالهيئة العامة للكتاب بمصر، استشعرت حالة من العتاب الشديد إزاء نفسي، لكوني لم ألمسه وأقرأ صفحاته من سنوات عديدة، وللأسف فليس هو الوحيد الذي يستشعر الهجر مني، بل ما أكثر الكتب التي تحويها مكتبتي الشخصية والتي لم أعد إليها من زمن.

تأملت حالي وكنت الذي يجالد نفسه ليقرأ يوميا ولو ساعة من نهار، وتفكرت فيما وصلت إليه، وحتما وصل إليه غيري من أولئك المجاهدين في الاستمرار بالقراءة الجادة، ولست هنا في وارد التبرير، لكن واقع ما نعيشه من أزمة حياة معاصرة قد أثر فينا نحن، فكيف بالأجيال الجديدة التي لم تستلذ بما تمتعنا به في شبابنا من متعة المعرفة ونور الكلمات الوضيئة.

كيف لنا أن نقرأ ونحن نقضي قرابة ثلاث ساعات ذهابا وإيابا إلى عملنا جراء سوء تخطيط تتحمله الأمانات والبلديات التي كان يجب أن تستشرف المستقبل حال تخطيطها للطرق والشوارع ونسق المدينة المعاصرة بالاستعانة بمناهج علم الإحصاء على أقل تقدير، لكنها تهاونت وعمدت إلى تخطيط شوارعنا وأحيائنا من مفهوم الضيق وليس الوسع، بالرغم من أن كثيرا من مدننا قائمة على أرض واسعة، لكن ذلك لم ينعكس على واقع التخطيط العمراني، فكان أن بتنا متزاحمين في شوارع ضيقة تختنق بمن فيها، ويكون مؤدى ذلك أن نقضي وقتنا طويلا ذهابا وإيابا ونحن في توتر طوال الوقت، حتى إذا وصل أحدنا إلى عمله أو بيته لم يجد طاقة إضافية ليستنفذها فيما يحب وما يهوى وما يريد.

وليت الحال متوقف هنا، بل لقد تعدى ليصل إلى طبيعة ونمط حياتنا الاجتماعية، فصار صعبا على أحدنا زيارة أهله ومعارفه، أو تلبية دعوة قريب وصديق، أو حضور مناسبة ثقافية وندوة معرفية، إلى غير ذلك من الأعمال الاجتماعية المهمة، إذا سيستغرق ذلك ساعات أخرى من اليوم، وهو ما جعل الناس تستنكف الدعوات وتجاهد في الاستجابة لها، وفي ذلك إرهاق كبير، وسببه يعود إلى أزمة تخطيط وعدم استشراف منهجي لواقع الحياة مستقبلا، والتخطيط من مفهوم الضيق لا الوسع.

ذلك بعض التأثيرات السلبية التي نعاني منها كمجتمع، والتي أصبح لها تأثيرها السلبي على رتم حياتنا، فكيف إذا زاد من ذلك عكننة حياة زوجية، أو رخامة مسؤول في العمل، أو غضب رياضي مغمس ببعض مشاعر قهر جراء تردي النادي الذي نحب ونتابع، ناهيك عن استشعار ضغط اقتصادي وهم سياسي جراء ما يعيشه محيطنا الإقليمي من توتر، كل ذلك سيكون له تأثيره على واقع وطبيعة الحياة المعاشة، وسيجعلك تنسى كتاب «تراث الإنسانية» وما هو أهم منه، بل وسيحد من تفاعلك الحميمي مع كل شيء مستطاب في هذه الدنيا.

حقا ما أصعب واقعنا اليوم، وكم أشتاق إلى ذلك الماضي الجميل، وكم صرت متخوفا من طغيان حالة التيه التي يعيشها أبناؤنا في ظل حياتهم الاستهلاكية وانغماسهم في الفراغ.