اليمن ونهاية قصص الغدر
السبت / 19 / شعبان / 1447 هـ - 22:17 - السبت 7 فبراير 2026 22:17
الدول تحتاج للبناء لا الهدم. سواعد الأبناء لا بد أن تلتئم وتتعاضد. الفرقة والتشظي لم يخدما أحدا. كثير من الكيانات ذهبت مع الريح نتيجة اختلاف أبناء الجلدة الواحدة.
تنفس اليمنيون. بلادهم للتو خرجت من معركة كسر عظم عنوانها التقسيم، أبطالها حفنة من الشرذمة الخونة الهاربين. دخل اليمن الآن مرحلة جديدة، عثر على نور الشمس أخيرا. أعلن الجمعة الماضية عن حكومة جديدة لا خيار لأعضائها إلا إنقاذ البلاد والعباد، في هذه المرحلة التاريخية الصعبة.
بالنظر إلى أسماء التشكيلة في حقيقة الأمر يمكن استشراف بعضا من الطمأنينة. لماذا؟ لأنها اعتمدت على كفاءات وطنية، ونحت جانبا أي انتماء أو توجه سياسي. والهدف من ذلك ربما تحقيق توازن اجتماعي بين مختلف المكونات اليمنية.
ثم إن التشكيلة كما يتضح منحت أبناء المحافظات الجنوبية، وزارات سيادية، وهذا يدحض عاملين اثنين، الأول: فكرة التهميش التي كان يسوقها بعض الساعين للسلطة، مثل عيدروس الزبيدي ومن على شاكلته، ورفعوا لواء التقسيم بتلك الذريعة. الثاني: استئثار أبناء مناطق معينة بالسلطة، بموازاة إقصاء بعض أبناء محافظات ذات ثقل سكاني وأهمية اقتصادية وجغرافية.
واللافت في الأمر؛ عودة المرأة اليمنية للواجهة السياسة بعد تحييدها منذ عام 2014، من خلال وجود ثلاث سيدات في حكومة الدكتور شائع الزنداني، وذلك يعد ترجمة للإيمان الرسمي والشعبي بدور السيدة اليمنية، التي كان لها الأثر في سياسة البلاد. وينكشف ذلك من خلال تسمية إحدى السيدات المعينات على رأس وزارة شؤون المرأة.
أحتفظ بذاكرتي بتفاصيل إحدى الزيارات التي قمت بها لليمن، إبان حقبة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح. كان وقتها ما يسمى بالربيع العربي قد اندلع في عدة دول إلى أن وصل اليمن. شهدت مشاركة المرأة اليمنية في المظاهرات والاحتجاجات التي كانت تخرج بوجه نظام صالح، في أحد أهم شوارع صنعاء «شارع الستين» معقل التجمعات وقتذاك، إلى جانب الرجال، وقد رفعت صوتها وكان لها الأثر بالمحصلة النهائية والنتائج السياسية التي خلصت إليها البلاد في تلك الفترة. لذا برأيي، إن وجود اليمنيات في مناصب وزارية متعددة مستحق وبجدارة وليس فضلا من أحد.
أعود لتشكيل الحكومة بسؤال: هل يستحق الأمر كل هذا التفاؤل؟ نعم، لماذا؟ لعدة أسباب. أولا: هي بمثابة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها. ثانيا: يمكن أن تكون مظلة لإدارة النزاع مع جماعة أنصار الله الحوثية، التي اختطفت البلاد، واستفادت كثيرا من حالة التشرذم السياسي الداخلي. ثالثا: تحسين الخدمات التي يجب أن يحصل عليها ويستفيد منها الإنسان اليمني، كصرف الرواتب، ومواجهة الأزمات الاقتصادية الحادة. رابعا: إعادة هيكلة السلطة بعد فترة طويلة من الفراغ السياسي.
برأيي، إن قرار بناء الحكومة اليمنية الجديدة بصورتها التي راعت جميع الأطياف دون تمييز، سيكون له الأثر بخنق جماعة الحوثي، التي تعاني في الأصل من عزلة سياسية محلية ودولية، ويمنح في جهة مقابلة السلطة المعترف بها دوليا مزيدا من الشرعية، التي يجب أن يتم توظيفها للوقوف والتصدي لأي فكرة إقليمية تسعى لتوريط اليمن، إما بمشاريع تقسيم، أو بث الفرقة وافتعال الفتن، عبر الزج به لمزيد من التعقيدات السياسية التي تعيده للمربع الأول.
أعتقد أن دولة كاليمن؛ كان لها تجارب مريرة خلال العقود الماضية، لم تعد تحتمل مزيدا من أفكار المحاصصة الحكومية، أو النمط الشمولي في الحكم، الذي يمنح فئة معينة الحق المطلق بالتصرف بمقومات البلاد. فالظروف السياسية والتاريخية، تفترض أن يمنح الجميع فرصته في بناء الدولة، وتحسين معيشة البشر، بعد معاناة استمرت طويلا من حرمانه مقدرات بلاده الاقتصادية.
في مجمل السياق، أستطيع القول إن التوافق على الحكومة اليمنية الجديدة، يستحيل أن يكون بمعزل عن الدعم الذي قدمته ولا تزال؛ المملكة العربية السعودية لليمن واليمنيين، وهي التي - أي الرياض - لم تتوان يوما عن تقديم الحلول بين الفرقاء، ومنح الإعانات بأشكالها كافة، من تغذية البنك المركزي، ودفع رواتب العاملين في الدولة، والتعليم والصحة، من منطلق حرصها على أن تنعم المحافظات والمناطق اليمنية، دون تمييز، بالأمن والاستقرار، وأن تتحسن معيشة الشعب، الذي أبدى وعيه وحرصة على وطنه، وذاد عنه بالدماء والأرواح والأبناء.
وتلك المواقف السعودية مبنية على إيمان مطلق في الرياض، أن اليمن أكبر من الجميع، أكبر من رئيس، وأكبر من جماعة، وأكبر من حكومة. وأن المراهنة يجب أن تكون على الإنسان والوطن، الذي يستحق كل شيء، لا على حزب أو تكتل سياسي معين، أيا كان شكل انتمائه وتوجهاته.
إن الأوجاع التي عاشتها تلك الدولة، تستدعي التلاحم لا الفرقة، وتتطلب النظر بعمق، لمفهوم أن الأمل يقوم على التعليم، وصناعة أجيال تمتلك الوعي والولاء للدولة لا لجماعة أو قبيلة بعينها، لقطع الطريق أمام دفعها لتبني الخرافات، والتناحر، وحمل السلاح.
الخلاصة؛ الدول تبقى بالشعوب لا الحكومات، تستمر بالسلام لا بالحروب، تبنى بالعمل لا بالفتنة، بالتآخي لا الفرقة.
هذا ما يحتاجه اليمنيون، لتنتهي على الأقل.. قصص الغدر.