ماذا لو أرادت السعودية قيادة العالم الإسلامي من المدينة المنورة؟
الخميس / 17 / شعبان / 1447 هـ - 08:47 - الخميس 5 فبراير 2026 08:47
في ميزان القوة الاستراتيجية تمتلك المملكة العربية السعودية ورقة فريدة لا تمتلكها أي دولة أخرى في النظام الدولي. ورقة لو أرادت استخدامها لإعادة تشكيل معادلات النفوذ في العالم الإسلامي لكان أثرها فوريا وعميقا، وهي خيار نقل العاصمة من الرياض إلى المدينة المنورة. مركز قيادة العالم الإسلامي منذ الرسالة المحمدية؛ لأن المسألة هنا لا تتعلق بقرار إداري أو تخطيطي بل بقدرة سيادية كامنة على إعادة تعريف مركز الثقل الرمزي والسياسي في العالم الإسلامي من خلال الدولة الوحيدة التي تجمع بين السيادة الكاملة على الحرمين الشريفين والقدرة الاقتصادية والكفاءة التنظيمية والبنية المؤسسية القادرة على إدارة دولة حديثة بكامل تعقيداتها.وطرح هذا الخيار في أي مرحلة من قبل المملكة كان سيمنحها تفوقا استراتيجيا مركبا على ثلاثة مستويات مترابطة، مستوى الشرعية المعنوية في وجدان الشعوب الإسلامية، ومستوى النفوذ السياسي الهادئ، ومستوى إعادة تشكيل صورتها الدولية بوصفها المرجعية الأكثر توازنا في إدارة العلاقة بين الدين والدولة في العالم الإسلامي.وتكمن أهمية هذه الورقة تحديدا في أنها لا تقوم على أدوات الضغط التقليدية ولا على القوة الصلبة، بل على إعادة تموضع سيادي يحمل في داخله رسالة رمزية عميقة مفادها أن المملكة لا تقود العالم الإسلامي من موقع الوصاية ولا من موقع التنافس على الزعامة بل من موقع الامتداد التاريخي لمركز التأسيس الأول للدولة الإسلامية. وهذه الرسالة لو طرحت فستتحول إلى رصيد معنوي واسع داخل المجتمعات الإسلامية وداخل النخب السياسية والفكرية على حد سواء.ومن الناحية الاستراتيجية البحتة فإن نقل العاصمة إلى المدينة المنورة سيحقق للمملكة مجموعة من المكاسب النوعية:
- على مستوى القيادة المعنوية، كانت المملكة ستعيد ربط مركز القرار السياسي بأعلى نقطة رمزية في الذاكرة الإسلامية، وهو ما يمنح سياستها الخارجية بعدا أخلاقيا إضافيا، ويعزز قدرتها على التأثير في قضايا العالم الإسلامي الكبرى من موقع جامع لا تنافسي.
- على مستوى المكانة الدولية، كانت المملكة ستظهر بوصفها الدولة القادرة على تقديم نموذج متوازن للدولة الحديثة المنطلقة من عمق حضاري وديني من دون أن تنزلق إلى منطق الدولة العقائدية، وهو تموضع يرفع من قيمتها كشريك استراتيجي في الحوار الحضاري وفي ملفات الاستقرار العالمي المرتبطة بالعالم الإسلامي.
- على مستوى القوة الناعمة، كان نقل العاصمة سيمنح المملكة أداة تأثير واسعة وهادئة في الرأي العام الإسلامي والعالمي؛ لأن المدينة المنورة ليست مجرد عنوان إداري بل رمز لمصدر الشرعية التاريخية الأولى للدولة في الإسلام، ولكن المملكة تحترم خصوصية كل دولة.
- على مستوى إدارة الملفات الإسلامية المشتركة، كان وجود العاصمة في المدينة المنورة سيعزز قدرة المملكة على جمع الأطراف الإسلامية المختلفة حول مبادرات سياسية وإنسانية وتنموية من موقع معنوي يصعب تجاوزه ولكن السعودية لا تريد إحراج تلك الدول واضعة الأولوية لمصالح تلك الدول داخل دولهم.
- على مستوى توحيد الصورة الذهنية للمملكة، كانت الخطوة ستعمق إدراك أن المملكة ليست فقط دولة طاقة واقتصاد واستثمار بل دولة مرجعية حضارية قادرة على الجمع بين الحداثة والهوية من دون صدام.
- بناء نموذج دولة حديثة عالية الكفاءة وقادرة على الإنجاز السريع.
- تحويل الاقتصاد الوطني إلى منصة إقليمية للاستثمار وسلاسل الإمداد والطاقة والخدمات.
- ترسيخ صورة المملكة بوصفها مركز توازن في الإقليم وقناة تواصل بين قوى متنافسة.
- الاستثمار في الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية بوصفها جسرا لتقليص فجوات الخلاف لا لتعميقها.