الحياة بعد الثلاثين
الخميس / 17 / شعبان / 1447 هـ - 08:45 - الخميس 5 فبراير 2026 08:45
عمر الثلاثين مرحلة لا تشعر بها قبل أن تصل إليها، فجأة ستجد نفسك تتساءل أين كنت طوال هذه السنوات؟ أحلام الطفولة ستبدو لك بعيدة، والخطط الكبيرة ستتلاشى أمام واقع أعقد مما نتخيل، في الثلاثين ستكتشف أن الكثير من ما ركضت خلفه كان مجرد محاولات لإرضاء الآخرين، وأن قوتك الحقيقية تبدأ حين تواجه نفسك بلا أقنعة، حين تعترف بخطئك وبفقدانك لبعض اللحظات، أن تقول أنا متعب، أن لا تجد طاقة لمجاراة العلاقات الإجتماعية لأنها مشبعة بالنفاق، حين تعرف أن البكاء أحيانا أقوى من الصمت.الثلاثون ليست نهاية بل هو بداية فهم أعمق للحياة، بداية مواجهة صادقة مع النفس لما أنت عليه وما تريد أن تكونه، بداية لحظة تستطيع فيها التوقف عن الركض خلف وهم النجاح، لتعيد ترتيب أولوياتك وتعرف أن قيمتك ليست فيما تملك، بل فيما أصبحت عليه بعد كل محطات التعب والخسارة التي مررت بها، وفي هذا الصمت يبدأ الإنسان لأول مرة حقا رحلة السلام مع نفسه، رحلة إدراك أنه ما زال بإمكانه أن يبدأ من جديد.نحن جيل بلغ الثلاثين وهو مثقل بالأسئلة أكثر مما هو محمل بإجابات، جيل وعد طويلا بأن الطريق واضح، فإذا به يكتشف متأخرا أن الخرائط كانت ناقصة، وأن البوصلة لم تكن دقيقة كما قيل لنا، كبرنا على يقين راسخ أن الاجتهاد يصنع المعجزات، وأن الأحلام تكبر معنا عاما بعد عام، وأن المستقبل مكافأة عادلة لمن يصبر ويعمل، ثم وجدنا أنفسنا، بعد سنوات من الركض الطويلة نقف في منتصف العمر نتأمل ما تحقق وما تبخر، فنكتشف أن الحياة أكثر تعقيدا من كل النظريات التي تربينا عليها وأن الأحلام الوردية لا أساس لها على أرض الواقع.في الثلاثين يتغير تعريف كل شيء فالنجاح لم يعد تلك الصورة اللامعة التي تخيلناها في المراهقة، والسعادة لم تعد صاخبة كما في البدايات.حتى الأحلام نفسها تصبح أكثر هدوءا وأقل تهورا، نحن جيل عاش بين عالمين، عالم قديم علمنا الصبر والرضا، وعالم جديد يطالبنا كل يوم بالمزيد من السرعة والمزيد من الإنجاز والمزيد من الادعاء بأننا بخير، لقد أرهقتنا المقارنات، من سباق لا ينتهي مع أقران سبقونا بخطوات.ومن سؤال ثقيل يلاحقنا في كل مناسبة «إلى أين وصلت؟» و«متى ستتزوج؟»، وكأن العمر قائمة مهام يجب أن تنجز قبل موعد محدد.في الثلاثين نبدأ بفهم الحقيقة العارية وهي أن معظم ما قاتلنا من أجله لم يكن اختيارنا الخالص، وأننا أمضينا سنوات نحاول إرضاء تصورات الآخرين عنا، لا حقيقتنا نحن، لم نعش طبيعتنا، اكتشفنا أن القوة ليست في الصلابة الدائمة، بل في القدرة على الاعتراف بالتعب، وأن النضج ليس في امتلاك الإجابات، بل في التصالح مع الأسئلة، هذا الجيل لم تتح له رفاهية التدرج الهادئ ولا الفرص، كبر على تحولات سريعة وأزمات متلاحقة وأحلام تعاد صياغتها كل بضعة أعوام، تعلم مبكرا أن الأمان حلم هش، وأن التخطيط الطويل قد ينهار أمام خبر اقتصادي أو قرار مفاجئ أو ظرف صحي لا يد لنا فيه، لكن ما زلنا نحاول، نحاول أن نعيد تعريف الحياة على مقاسنا، أن نصنع لأنفسنا فسحة صغيرة من الطمأنينة وسط الضجيج، أن نؤمن بأن الوصول ليس نقطة واحدة، بل طريق طويل يتغير شكله كل يوم.بعد الثلاثين نتعلم درسا جوهريا وهو أن الحياة ليست معركة يجب الانتصار فيها، بل رحلة يجب أن تعاش، نتعلم أن الأحلام لا تموت، لكنها تنضج، وأن الإنسان لا يتأخر عن حياته، بل يصل إليها في وقته الخاص وبحسب ظروفه.ربما نحن جيل منهك، لكننا أيضا جيل أكثر وعيا، وأكثر صدقا مع نفسه، وأكثر قدرة على فهم أن القيمة الحقيقية ليست فيما نملكه، بل فيما أصبحنا عليه بعد كل ما مررنا به، وعلى الرغم من كل شيء يكفي لأن نواصل الطريق دون أن ننكسر، إنها انتصارات صغيرة لا يراها أحد لكنها علامة فارقه في إحساسنا بالحياة.NevenAbbass@