عودة الدولة الوطنية: لماذا تختار السعودية طريق الاستقرار ووحدة الدول؟
الأربعاء / 16 / شعبان / 1447 هـ - 03:16 - الأربعاء 4 فبراير 2026 03:16
يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكل عميقة، لا تقاس فقط بتبدل التحالفات، بل بإعادة تعريف معنى الاستقرار ذاته. بعد عقود من الفوضى، وتفكك الدول، وصعود الفواعل المسلحة غير الدولتية، تعود «الدولة الوطنية» لتتصدر المشهد باعتبارها الإطار الوحيد القادر على حفظ الأمن، وإدارة التنمية، وضبط التوازنات. في قلب هذا التحول، تبرز الاستراتيجية السعودية بوصفها خيارا واعيا للحفاظ على وحدة الدول وسيادتها، لا بدافع مثالي، بل انطلاقا من قراءة واقعية لطبيعة الإقليم ومخاطر التفكك.تاريخيا، لم تكن الدولة الوطنية في الشرق الأوسط كيانا مستقرا. منذ نهاية الحرب الباردة، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، دخلت المنطقة مرحلة سيولة سياسية وأمنية. التدخلات الخارجية، خصوصا بعد عام 2003، فتحت الباب أمام تفكك العراق، وصعود الميليشيات، وتحول لبنان واليمن وسوريا إلى ساحات نفوذ متداخلة. في تلك المرحلة، ساد في بعض الدوائر الدولية تصور بأن «إدارة الفوضى» أو إعادة رسم الخرائط قد تنتجان شرقا أوسط أكثر قابلية للضبط. لكن النتائج جاءت عكسية: دول أضعف، مجتمعات ممزقة، وتهديدات عابرة للحدود.اليوم، تغيرت المعادلة. صعود الصين كقوة اقتصادية وسياسية عالمية، وعودة منطق التنافس بين القوى الكبرى، دفعا الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم سياساتها. بات التفكك ينظر إليه بوصفه ثغرة استراتيجية تسمح لقوى منافسة بالتغلغل في مناطق حساسة، من الممرات البحرية إلى البنية التحتية والطاقة. في هذا السياق، لم تعد وحدة الدول عبئا، بل أصبحت ضرورة جيوسياسية.السعودية كانت من أوائل الدول التي استوعبت هذا التحول، ليس فقط على المستوى الدولي، بل انطلاقا من تجربتها الإقليمية المباشرة. فالرياض تدرك أن انهيار الدول المجاورة لا يبقى محصورا داخل حدودها، بل يتحول إلى تهديد أمني واقتصادي طويل الأمد. الميليشيات، الهجرة غير النظامية، الإرهاب، وتعطل التجارة، كلها نتائج مباشرة لتفكك الدولة. لذلك، تبنت السعودية مقاربة تقوم على دعم المؤسسات الوطنية، والحلول السياسية، والحفاظ على السيادة، حتى في أكثر البيئات تعقيدا.تتجلى هذه الرؤية بوضوح في مقاربة السعودية للملف اليمني. فرغم الكلفة الباهظة للحرب، ظل الهدف السعودي المعلن هو الحفاظ على يمن موحد، لا السماح بتحوله إلى كيانات متناحرة أو مناطق نفوذ مفتوحة لقوى إقليمية ودولية. فاليمن المنقسم لا يشكل خطرا على السعودية وحدها، بل على أمن البحر الأحمر وباب المندب، وعلى استقرار التجارة العالمية. من هنا، يصبح دعم الدولة اليمنية، وليس إدارة الانقسام، خيارا استراتيجيا عقلانيا.الأمر ذاته ينطبق على نظرة السعودية للعراق وسوريا ولبنان. الرياض، بخلاف بعض القراءات السطحية، لا ترى في ضعف الدولة فرصة لتوسيع النفوذ، بل مدخل للفوضى التي تستفيد منها قوى غير عربية. لذلك، فإن دعم الدولة الوطنية هناك، حتى مع اختلاف المواقف السياسية، يظل أفضل من ترك الساحة للفوضى.التقارب السعودي-الإيراني، الذي جاء برعاية صينية، يندرج أيضا ضمن هذا الإطار. فالرياض لم تتجه إلى التهدئة بدافع الوهم أو حسن النوايا المجردة، بل انطلاقا من حسابات دقيقة. خفض التوتر مع إيران يساهم في تقليص ساحات الصراع، ويمنح الدول فرصة لاستعادة دورها الطبيعي بعيدا عن الحروب بالوكالة. كما أن الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لنجاح رؤية السعودية التنموية، التي تقوم على جذب الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، وربط المملكة بمحيطها الإقليمي والدولي كمركز استقرار لا بؤرة أزمات.في العمق، تعكس الاستراتيجية السعودية فهما متقدما لطبيعة اللحظة الدولية. فالتنافس بين القوى الكبرى، بدل أن يكون نقمة، يمكن تحويله إلى مظلة تحمي الدول الضعيفة من التفكك، إذا أحسنت هذه الدول إدارة علاقاتها وحافظت على وحدتها. السعودية لا تراهن على انهيار الآخرين، بل على بناء نظام إقليمي أكثر توازنا، تحترم فيه سيادة الدول، وتضبط فيه التدخلات، ويفتح فيه المجال للتنمية بدل الصراع.خلاصة القول، إن خيار السعودية بدعم وحدة الدول واستقرارها ليس موقفا أخلاقيا فقط، بل استراتيجية واقعية بعيدة المدى. في إقليم أنهكته الحروب والانقسامات، تبدو الدولة الوطنية، بكل ما تحمله من تحديات، الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار. والسعودية، من موقعها السياسي والاقتصادي، تدرك أن أمنها وازدهارها لا ينفصلان عن أمن واستقرار محيطها، وأن الحفاظ على سيادة الدول هو الطريق الأضمن لعبور الشرق الأوسط نحو مرحلة أكثر عقلانية وتوازنا.mr_alshammeri@