الرأي

تعدُّد الأنظمة وغياب التكامل.. هل نطوِّر التعليم أم نُرهق الميدان؟

هناء عوض القحطاني
شهد قطاع التعليم في السنوات الأخيرة توسُّعًا ملحوظًا في استخدام الأنظمة والْمِنَصَّات الرقمية، في إطار السعي لِمُواكبة التحوُّل الرقمي، وتحسين جودة العمل التعليمي والإداري، ولا شكَّ أن هذا التوجُّه يعكس طموحًا مشروعًا لتطوير التعليم، والارتقاء بمُخرَجاته؛ انسجامًا مع رؤية المملكة (2030)، التي تضع التحوُّل التِّقْني حجَر زاوية في بناء مجتمع المعرفة.بَيْدَ أن تسارُع وتيرة التطبيق، وتعدُّد متطلَّبات التحوُّل، في بعض الأحيان، قد يطرح تحدِّياتٍ مَيدانيةً تستدعي مزيدًا من التدرُّج والتكامل، بما يضمن دعم الميدان التعليمي، وعدم إثقاله بالأعباء الإجرائية؛ فالواقع الميداني يكشف عن تحدٍّ مُتنامٍ يتمثَّل في تعدُّد الأنظمة، وغياب الربط التِّقْني بينها، الأمرُ الذي ألقى بظِلاله على القيادات المدرسية والمعلِّمين على حدٍّ سواء.فبين أنظمة للرصد، وأخرى للتقويم، وثالثة للتقارير والمتابعة، يَجِد الميدان التعليمي نفسه أمام متطلَّبات متزايدة، تتطلَّب إدخال البيانات ذاتها في أكثرَ من مِنَصَّة، وبصِيَغ مختلفة، وفي أوقات متقاربة، وهذا التَّكرار لا يستهلك الوقت والجهد فحسبُ؛ بل يشتِّت التركيز عن الهدف الأسمى والأساسي للعملية التعليمية، ويحوِّل جزءًا كبيرًا من الجهد المهني إلى أعمال 'بيروقراطية رقمية'، قد تطغى على جوهر الدور التعليمي والتربوي.لقد شهد العام الدراسي الحالي تحديدًا تحوُّلًا كبيرًا وتطوُّرً متسارعًا على عدَّة أصعدة، شَمِلت الاختباراتِ المركزيةَ والمعيارية، وتكثيف أدوات القياس والمتابعة، وتوسيع نطاق التقارير والمؤشِّرات. وبالرغم من أهمية هذه الأدوات، فإن تزامنها دون توحيد النظام وترابطه قد ضاعف الأعباء الْمُلقاة على عاتق المعلِّم والمدير.ونتيجةً لذلك؛ اتَّجَه التركيز بشكل متزايد نحو 'المؤشِّرات والبيانات الكمِّية'، على حساب 'الممارسة التدريسية النوعية'؛ فالأرقام قد تعكس نِسَب الالتزام التِّقْني؛ لكنها لا تَقيس بالضرورة جودة التدريس، ولا عُمق التعلُّم، ولا الأثر الوِجداني والتربوي داخل الصف الدراسي.إن التطوير الحقيقي لا يَكمُن في كثرة الأنظمة؛ بل في ترابطها وتكاملها، بحيث تَخدُم هدفًا واحدًا، وتخفِّف العبء عن الميدان، لا أن تُضاعفه؛ فالنظام الناجح هو الذي يتبنَّى مبدأ 'الإدخال الواحد'، حيث تُجمَع البيانات مرَّةً واحدة، وتُعالَج بذكاء لتقديم مؤشِّرات مفيدة؛ مما يخفِّف العبء عن كاهل الْمُمارس الميداني، ويحفظ طاقته للإبداع التدريسي ولا يستنزفها.وختامًا، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل نسعى إلى تطوير التعليم عبر بناء منظومة رقمية متكاملة تَخدُم الميدان؟ أم أننا – دون قصد - نُسهم في إرهاقه بتعدُّد الأنظمة وتَكرار المتطلَّبات؟ إن الاستماع لصوت الميدان، وجعل التحوُّل الرقمي محسِّنًا لجودة التدريس، لا عائقًا له، هو الطريق الأضمن لتحقيق تطوير حقيقي ومستدام يلمس أثرَه الطالبُ والمعلِّم على حدٍّ سواء.