الرأي

ماذا يعني أن تستضيف حفر الباطن مؤتمرا دوليا؟

فهيد العديم
ليس انعقاد المؤتمر الدولي الثالث للصحة الريفية في حفر الباطن حدثا عابرا في رزنامة الفعاليات، ولا يمكن اختزاله في بعده الصحي وحده، فالقيمة الحقيقية لهذا المؤتمر تكمن خارج قاعاته العلمية: في المكان الذي احتضنه، وفي الرسالة الرمزية التي بعث بها، وفي السؤال التنموي الذي أعاد طرحه بصوت واضح: من يملك حق استضافة المعرفة وصناعة النقاش العام؟لطالما ارتبطت المؤتمرات الدولية في الوعي الجمعي بالمدن الكبرى، بوصفها 'المراكز الطبيعية' للفكر والقرار، هذا التصور كما يبين عالم الاجتماع إيمانويل والرشتاين في نظريته عن المركز والأطراف، ليس بريئا؛ إذ يعكس توزيعا غير متكافئ للسلطة الرمزية والمعرفية، حيث تمنح بعض الأماكن حق تمثيل 'العالم'، بينما تختزل أماكن أخرى في أدوار خدمية أو هامشية، ومن هذا المنظور، فإن استضافة حفر الباطن لمؤتمر دولي لا تمثل مجرد نجاح تنظيمي، بل إعادة رسالة تستحق التوقف، فالمدينة هنا لا تؤدي دور 'المضيف اللوجستي'، بل تتحول إلى فاعل رمزي في إنتاج الخطاب، ومكان صالح لالتقاء الخبرة المحلية بالمعرفة العالمية.الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار يرى أن المكان ليس إطارا محايدا، بل عنصر فاعل في تشكيل الوعي والخيال الاجتماعي، وبهذا المعنى فإن اختيار حفر الباطن كمقر للمؤتمر يوسع خيال المكان عن ذاته: حيث لا يحصر التفكير والنقاش في مدن محددة، بل يوزعه حيث توجد الحياة والناس والتحديات الحقيقية.تنمويا، لا تقاس أهمية مثل هذه المؤتمرات بعدد الجلسات أو الحضور فقط، بل بقدرتها على تعزيز الهوية المحلية وإدماج المحافظات في السردية الوطنية الكبرى، الاقتصادي (أمارتيا سن) يؤكد أن التنمية ليست نموا ماديا فحسب، بل توسيع لقدرات الأفراد والمجتمعات على المشاركة والتأثير (Development as Freedom).وما حدث في حفر الباطن هو ممارسة فعلية لهذا المفهوم: نقل فرص التفاعل، والاحتكاك، والاعتراف إلى فضاء كان ينظر إليه طويلا باعتباره 'بعيدا عن المركز'.لكن هنا يجب التوقف عند النقطة الحرجة: الخطر ليس في أن يكون المؤتمر استثناء ناجحا، بل في أن يبقى استثناء، إذا تعاملنا مع هذا الحدث بوصفه حالة خاصة، فإننا نفرغه من قيمته التحويلية، أما إذا اعتبرناه نموذجا قابلا للتكرار، فنحن أمام تحول حقيقي في فلسفة إدارة الفعاليات الوطنية.ومن هنا، فإن القيمة العميقة لمؤتمر حفر الباطن تكمن في ما يفتحه من أفق: أفق إعادة التفكير في خريطة المؤتمرات، وفي دور المحافظات، وفي علاقة المكان بالقرار.وإذا كان للمقال أن ينتقل في نهايته من التحليل إلى الانطباع، فإن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن ما عزز القيمة الرمزية لهذا المؤتمر لم يكن فكرته ولا مكانه فحسب، بل مستوى التنظيم الذي عكس وعيا عميقا بمعنى الحدث، فتنظيم لم يتعامل مع التفاصيل بوصفها عناصر ثانوية، بل بوصفها لغة صامتة تعبر عن احترام الوقت، والضيف، والفكرة ذاتها.لقد بدا واضحا أن ما جرى لم يكن اجتهادا عابرا، بل ثمرة عمل مؤسسي دقيق، أدرك أن نجاح المؤتمرات الكبرى لا يقاس بما يقال على المنصات فقط، بل بما يدار خلفها، ومن هذا الباب، يستحق القائمون على المؤتمر الشكر والتقدير، لا لمجرد إنجاح فعالية، بل لتقديم نموذج يثبت أن المحافظات قادرة على التنظيم بمعايير عالية، حين تمنح الثقة وتدار بالكفاءة.هذا التنظيم المدهش لم يكن تفصيلا تقنيا في حدث فكري، بل كان في ذاته رسالة إضافية تؤكد أن حفر الباطن لم تستضف المؤتمر فحسب، بل كانت على مستوى معناه.Fheedal3deem@