الفجوة بين نظام العمل والأنظمة الجنائية
الاحد / 13 / شعبان / 1447 هـ - 23:32 - الاحد 1 فبراير 2026 23:32
في ظل تزايد القضايا المرتبطة بالعمالة المخالفة، يبرز تساؤل جوهري حول سبب تحول بعض المخالفات الإدارية البسيطة إلى مخاطر أمنية مركبة. وعند التمعن في المشهد النظامي، يتبين أن الإشكال لا يكمن في نقص التشريعات أو غياب النصوص، بقدر ما يتمثل في فجوة عملية قائمة بين نظام العمل من جهة، والأنظمة الجنائية من جهة أخرى. هذه الفجوة لا تظهر في النصوص المكتوبة، بل تتجلى في طريقة التوصيف، وتوقيت التدخل، وحدود الاختصاص، وهو ما يجعل بعض الوقائع تتفاقم قبل أن تجد المعالجة المناسبة.فمن حيث الأصل، يتعامل نظام العمل مع العامل المخالف أو الهارب بوصفه حالة إدارية، تعالج عبر البلاغ، أو الغرامة، أو تصحيح الوضع. هذا المنهج يهدف إلى تنظيم سوق العمل وحماية العلاقة التعاقدية، وهو هدف مشروع في ذاته. غير أن الإشكال يبدأ حين تخرج الواقعة عن إطارها الفردي، وتترتب عليها آثار تتجاوز نطاق العمل، كاختفاء العامل عن العناوين النظامية، أو اندماجه في تشغيل غير مشروع، أو ارتباطه ببيئة حاضنة مستفيدة من وضعه غير النظامي. هنا يصبح الأثر أمنيا، بينما يستمر التعامل معه إداريا، فتتشكل فجوة زمنية وتنظيمية تستثمر على نحو سلبي.ومن ثم، تتجسد الفجوة بوضوح في تلك المنطقة الوسطى التي لا تعد جريمة مكتملة الأركان بعد، لكنها لم تعد مجرد مخالفة عمالية. ففي هذه المرحلة، لا تتحرك الأنظمة الجنائية لغياب الوصف الجرمي الصريح، ولا يملك نظام العمل أدوات ردعية كافية للتدخل الحاسم. ونتيجة لذلك، ينشأ فراغ يسمح بتكون شبكات إيواء وتشغيل غير نظامي، لا بوصفها سبب المشكلة، بل باعتبارها مستفيدا مباشرا من هذا الفراغ. ومع مرور الوقت، تتحول المخالفة الفردية إلى نمط منظم يصعب احتواؤه.وتترتب على هذه الفجوة تداعيات أمنية ملموسة، أبرزها صعوبة التتبع الجنائي، وضعف قاعدة البيانات المحدثة، وظهور كيانات بشرية خارج نطاق الرقابة. كما أن استمرار هذه الحالة يهيئ بيئة خصبة لجرائم أخرى، كالتزوير أو السرقة أو التستر، فضلا عن إنهاك الأجهزة الأمنية في معالجة نتائج كان يمكن تلافيها بتدخل مبكر. ولا يقتصر الأثر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى المجتمع والاقتصاد، حيث تتضرر المنشآت النظامية، وتهدر هيبة النظام، ويتكرس شعور ضمني بأن المخالفة لا تقابل بردع فوري.وعليه، فإن ردم الفجوة بين نظام العمل والأنظمة الجنائية لا يكون بتشديد العقوبات وحدها، ولا بإصدار تشريعات جديدة، بل بإعادة ضبط نقاط الانتقال بين النظامين. ويبدأ ذلك بإعادة توصيف بعض الوقائع بوصفها «وقائع ذات أثر أمني»، رغم بقائها في أصلها إدارية، بحيث يفعل الإشعار الأمني عند تحقق مؤشرات خطر محددة. كما يتطلب الأمر تقليص الزمن بين وقوع المخالفة والتدخل، وتحميل البيئة المستفيدة من الإيواء أو التشغيل غير النظامي المسؤولية الأكبر، بدل الاكتفاء بملاحقة الحلقة الأضعف.وفي الختام، يمكن القول إن الفجوة بين نظام العمل والأنظمة الجنائية ليست خللا تشريعيا، بل خلل في إدارة التحول من المخالفة إلى الخطر. وسد هذه الفجوة يقتضي تنسيقا مبكرا، وتوصيفا أدق، وتدخلا وقائيا يحاصر الخطر في بدايته، قبل أن يتحول إلى عبء أمني واجتماعي يصعب احتواؤه.expert_55@