الرأي

اليمن في الإدراك السعودي: من منطق السيطرة إلى فلسفة تحصين الجوار

تركي القبلان
لم تنظر المملكة العربية السعودية إلى اليمن عبر تاريخها السياسي الحديث، بوصفه مجالا للهيمنة أو ساحة للتمدد الجيوسياسي، بقدر ما تعاملت معه باعتباره الامتداد الجنوبي الأكثر حساسية لأمنها الوطني والركن الأهم في معادلة الاستقرار في شبه الجزيرة العربية.هذا الإدراك لم يتشكل بوصفه موقفا ظرفيا أو استجابة لأزمات طارئة، بل تأسس منذ عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ضمن تصور عميق لطبيعة اليمن بوصفه مجتمعا تاريخيا مركبا، لا كتلة أيديولوجية قابلة للإخضاع أو إعادة التشكيل القسري.من هنا يمكن فهم أن الفلسفة الحاكمة للسلوك السعودي تجاه اليمن لم تقم على فكرة «الدولة التابعة»، ولا على منطق تحويل اليمن إلى دولة وظيفية ضمن مشاريع كبرى، بل على معادلة دقيقة مفادها: اليمن دولة مستقلة ذات سيادة، لكن استقرارها جزء لا يتجزأ من الأمن الوجودي السعودي.تعاملت السعودية تاريخيا مع اليمن باعتباره فضاء اجتماعيا مفتوحا تحكمه بنية قبلية-تاريخية معقدة لا كتلة أيديولوجية مغلقة. ولذلك اتسمت مقاربتها بقدر عال من التحفظ تجاه أي محاولة لتحويل مكونات المجتمع اليمني إلى مشاريع عقائدية مسلحة أو أدوات صدام داخلي.لأنها تدرك أن اليمن حين يتحول إلى ساحة أيديولوجيات متصارعة يفقد طبيعته بوصفه مجتمعا متوازنا، ويتحول إلى منصة فوضى دائمة تهدد الداخل اليمني أولا ثم الجوار الإقليمي مباشرة.هذا الإدراك يفسر سبب انخراط السعودية في دعم الشرعية اليمنية واستجابتها لطلب الرئيس اليمني بالتدخل، مع تحول الحوثي من حركة مطلبية محلية إلى مشروع عسكري عابر للدولة قفز إلى السلطة بالقوة المسلحة.المشكلة الأساسية في المشروع الحوثي، من زاوية الإدراك السعودي لم تكن في انتمائه المذهبي بحد ذاته، بل في تحوله إلى: تنظيم مسلح مؤدلج مرتبط بشبكة إقليمية، يسعى لاحتكار التمثيل السياسي بالقوة. أي أنه نقل اليمن من كونه فضاء اجتماعيا مفتوحا إلى كونه منصة أيديولوجية مغلقة مسلحة. فالسعودية تاريخيا تتعامل مع التنوع اليمني بوصفه مصدر توازن، بينما يتعامل الحوثي مع التنوع بوصفه عقبة يجب إخضاعها.حين دعمت السعودية القوى الملكية في ستينيات القرن الماضي لم يكن ذلك دفاعا عن شكل حكم بعينه، بقدر ما كان تعبيرا عن أولوية حماية الشرعية اليمنية ومنع تحويل اليمن إلى قاعدة نفوذ لقوة إقليمية منافسة. بعبارة أدق: كان المحدد جيوسياسيا قبل أن يكون أيديولوجيا.هذا النمط تكرر لاحقا بصور مختلفة: منع سقوط اليمن في قبضة مشروع عابر للحدود، منع تفكك الدولة لصالح المليشيات، منع تحويل الجنوب والبحر الأحمر إلى ساحات نفوذ متنازع عليها. وهو ما يبين أن السعودية لا تسعى لإعادة تشكيل اليمن على صورتها بل لمنع إعادة تشكيله على صورة مشاريع خارجية.عندما انطلقت عاصفة الحزم عام 2015 صيغ القرار السعودي في وعيه الاستراتيجي بوصفه عمل لإعادة الشرعية استنادا لقرار مجلس الأمن 2216 ولمنع اكتمال سيطرة مشروع عقائدي مسلح على الدولة بالقوة العسكرية. ولمنع انهيار التوازن الداخلي وكذلك لمنع انتقال اليمن إلى وضع الدولة التابعة لمحور خارجي.وفي الأساس، لم يكن خيار السعودية قائما على الحرب بوصفها غاية بل على السلام بوصفه المسار المفضل كلما توافرت شروطه، باعتبار أن جوهر المعركة ليس إسقاط طرف بعينه لكن لإعادة فتح المجال أمام قوى ومكونات الدولة اليمنية كي تستعيد شرعيتها وتمارس دورها الطبيعي في إحلال السلام والاستقرار والدفع بعجلة التنمية، بوصف ذلك مطلبا شعبيا لا مساومة عليه. من هنا بدأت إعادة المعايرة السعودية باتجاه: أولوية المسار السياسي، دعم التوافقات اليمنية-اليمنية، الانفتاح على تسويات تحفظ الحد الأدنى من تماسك الدولة وفق المرجعيات المعمول بها.ومن هنا يمكن فهم السلوك السعودي تجاه اليمن ضمن نموذج الدولة الساعية لإنتاج بيئة إقليمية مستقرة، بوصف ذلك خيارا استراتيجيا مؤسسا لسلوكها الخارجي لا باعتبار توسيع النفوذ بالقوة غاية مركزية. وهذا ما يميزها عن أنماط بعض القوى الإقليمية والدولية التي تتحرك بمنطق: تفكيك الدول وتوظيف المليشيات وصناعة الفوضى القابلة للإدارة.تعظيم العلاقة بين السعودية واليمن يمر عبر الاعتراف بحقيقة جوهرية: أمن اليمن من أمن السعودية، وأمن السعودية من استقرار اليمن. أي أن العلاقة ليست علاقة مانح وصي وموصى عليه بل علاقة مصير مشترك تفرض شراكة طويلة الأمد في: إعادة بناء الدولة وتحييد الأيديولوجيا المسلحة واستعادة اليمن كفضاء اجتماعي مفتوح. حين يعاد اليمن إلى موقعه الطبيعي كدولة عربية مستقلة ذات سيادة، لا منصة مشاريع، يصبح تلقائيا أقرب شريك استراتيجي للسعودية لا عبئا عليها. وهنا فقط يمكن الحديث عن يمن مستقر، وسعودية آمنة، وإقليم أقل قابلية للاشتعال.TurkiGoblan@