الرأي

لنكن أقوى في تعاملنا مع المشاكل

دخيل سليمان المحمدي
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الضغوط، لم تعد المشكلات استثناء في حياة الإنسان، بل أصبحت جزءا من تفاصيله اليومية. غير أن الفارق الحقيقي لا يكمن في حجم المشكلة، بل في طريقة التعامل معها. هنا يبرز مفهوم النضج بوصفه أداة وعي لا غنى عنها في مواجهة التحديات، حيث لم يعد مقبولا في زمن الوعي والمعرفة أن ندير مشكلاتنا بعقلية الانفعال، أو أن نحول كل خلاف إلى معركة، وكل رأي مخالف إلى عداوة. فالنضج لم يعد ترفا أخلاقيا، بل ضرورة مجتمعية لحماية الاستقرار، وحفظ العلاقات، وبناء مستقبل أقل ضجيجا وأكثر عقلانية.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس كثرة المشكلات، بل سوء إدارتها. حين يستبدل الحوار بالصراخ، والعقل بالاندفاع، تتحول المشكلات البسيطة إلى أزمات، ويستنزف الوقت والجهد في جدل عقيم لا ينتج حلا ولا يترك أثرا إيجابيا.

فالنضج لا يعني غياب المشاعر أو إنكار الألم، بل يعني إدارة المشاعر بعقل متزن، وعدم السماح للانفعال بأن يقود القرارات. فالشخص الناضج يدرك أن ردود الأفعال المتسرعة غالبا ما تعقد المشكلة بدل أن تحلها، وأن الصمت الحكيم أحيانا أبلغ من جدال طويل، وأن التفكير الهادئ أقصر الطرق للحل، وذلك بمواجهة الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن تكون. وأن نعترف بالخطأ قبل أن نبحث عن متهم، وأن نتحمل مسؤوليتنا بدل الهروب منها. فثقافة إلقاء اللوم على الآخرين لا تصنع وعيا، ولا تبني مجتمعا، بل تكرس الفوضى وتضعف الثقة.

كما أن النضج يفرض علينا أن ندرك أن ليس كل خلاف يستحق التصعيد، ولا كل رأي مخالف تهديدا. فاختلاف وجهات النظر سنة إنسانية، لكن تحويلها إلى صراع دائم هو فشل في إدارة الوعي. فالمجتمع الناضج هو الذي يختلف دون أن يتخاصم، وينتقد دون أن يسيء، ويطالب دون أن يدمر.

نحن بحاجة ماسة إلى إعادة تعريف القوة؛ فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت، بل في ضبط النفس، ليست في كسب الجدال، بل في حل المشكلة، ليست في الانتصار اللحظي، بل في النتائج طويلة المدى.

ولنا في قول حبيبنا صلى الله عليه وسلم 'ليس الشديد بالصرعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب' أكبر دليل على أن القوة ليست في إظهار الغضب والعنف بل فيمن يسيطر على غضبه والتحكم في تصرفاته.

ختاما، لنكن صادقين مع أنفسنا:

المشكلات ستبقى، لكن السؤال الجوهري هو:

هل سنواجهها بعقل ناضج ينقذنا... أم بانفعال يعيدنا إلى نقطة الصفر؟