الرأي

عندما تتكامل النظريات الإدارية... يولد الفهم الإداري العميق

عبدالله علي التمام
من أبرز مزايا القراءة التحليلية الناقدة للنظريات الإدارية، أنها لا تدفع القارئ إلى الانحياز لنموذج واحد، ولا إلى المفاضلة السطحية بين مدرسة وأخرى، بقدر ما تفتح أفقا أوسع لبناء فهم إداري ناضج، يقوم على التكامل لا الإقصاء، وعلى الجمع بين الرؤية النظرية والممارسة الواقعية.

فالإدارة، في جوهرها، ليست حزمة من النماذج الجاهزة التي تنقل كما هي، ولا شعارات تنظيرية ترفع في الوثائق الرسمية، بل هي عملية فهم عميق للسياق، وربط ذكي بين ما تقوله النظريات وما تفرضه الوقائع اليومية داخل المنظمات.

وفي هذا الإطار، يبرز التكامل بوضوح عند قراءة نموذج ماكينزي (7S) إلى جانب طرح توم بيترز حول خواص الامتياز في الإدارة.

فنموذج ماكينزي يقدم إطارا تحليليا منظما يجيب عن سؤال محوري: مم تتكون المنظمة المتوازنة؟

ويبرز سبعة عناصر مترابطة، يشترط اتساقها الداخلي لتحقيق التميز والفاعلية المؤسسية، تشمل الاستراتيجية، والهيكل، والأنظمة، إلى جانب الأسلوب القيادي، والقيم المشتركة، والأفراد، والمهارات.

في المقابل، ينطلق بيترز من سؤال مكمل لا يقل أهمية: كيف تتصرف المنظمة المتميزة فعليا؟

إذ ينتقل من التحليل البنيوي إلى الممارسة الحية، ويؤكد أن التميز الحقيقي لا يقاس بجودة المخططات وحدها، بل بوضوح السلوك القيادي، وسرعة القرار، وقرب الإدارة من الميدان، وقدرتها على تحويل الرؤية إلى فعل.

وعند المقارنة بين النموذجين، يتضح أن بينهما تقاطعا عميقا، وتكاملا، وظيفيا واضحا.

فالقيم المشتركة في نموذج ماكينزي تمثل قلب المنظومة ومحورها، بينما يؤكد بيترز أن القيم لا تكتسب وزنها الحقيقي إلا عندما تترجم إلى سلوك يومي وممارسات ملموسة داخل بيئة العمل.

كما يعرف الأسلوب القيادي في ماكينزي بوصفه النمط السائد في المنظمة، في حين يقدمه بيترز كقيادة قريبة، متحيزة للفعل، حاضرة بين العاملين، وتعلي من شأن المبادرة والمسؤولية.

وينظر ماكينزي إلى الأفراد من زاوية المواءمة مع الاستراتيجية والهيكل، بينما يضعهم بيترز في قلب الإنتاجية والتميز، من خلال الثقة، والتمكين، وتحفيز الطاقات الكامنة.

أما الهيكل والأنظمة، فيعالجهما ماكينزي من منظور الاتساق المؤسسي، في حين يدعو بيترز إلى البساطة والرشاقة وتقليل التعقيد الذي يعيق الأداء.

الخلاصة: ماكينزي يقدم مؤشرات تشخيصية بنيوية تدل على جاهزية المنظمة للتميز، وبيترز يقدم ممارسات عملية للمنظمات المتميزة فعليا، والإدارة الواعية هي التي تجمع بين اتساق البنية وحيوية السلوك، فتحسن الانتقال من التخطيط إلى الفعل، ومن الرؤية إلى الأثر.