الوطن... البيت الذي لا يستبدل!
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 22:02 - الاثنين 26 يناير 2026 22:02
في خضم ما يشهده العالم من اضطرابات وحروب وانقسامات حادة، تتكشف أمام الإنسان حقائق لم يكن يراها بوضوح وهو في قلب وطنه. بعض القيم لا تفهم إلا حين نبتعد عنها، وبعض النعم لا ندرك وزنها الحقيقي إلا عندما نعيش نقيضها. وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى قيمة الوطن لا بوصفه شعارا، بل بوصفه معنى نفسيا وإنسانيا عميقا.
خلال فترة ابتعاثي، عايشت وتأملت أحوال عدد من المغتربين الذين غادروا أوطانهم منذ سنوات طويلة، حتى أصبحوا مواطنين في دول أخرى. لكن اللافت أن كثيرين منهم لا يعيشون هناك بإحساس المواطن الحقيقي، بل يلازمهم شعور دائم بالاغتراب. وفي لحظات صفاء صادقة.. كانوا يقولون: هذه البلاد ليست لنا... سنبقى غرباء بها مهما طال الزمن. ثم يضيفون بنبرة تحمل شيئا من الحسرة: أنتم محظوظون... لديكم وطن تحبونه ويحبكم.
هنا يتجلى المعنى الحقيقي للوطن، فأن تعيش بلا وطن يشبه أن تعيش بلا جذور. الهوية تصبح باهتة، والانتماء هشا، وقيمة الإنسان تقاس بما يملكه من (مال) لا بما يمثله. لا شعور بالأمان العميق، ولا إحساس بأن هناك بيتا يمكن العودة إليه مهما اشتدت الظروف.
ومن زاوية نفسية اجتماعية، فإن شعور الإنسان بالانتماء لا يتكون فقط من القناعة الفكرية، بل من الإحساس العميق بأنه جزء من جماعة تمنحه المعنى والطمأنينة. وكلما كان هذا الإحساس متوازنا وراسخا، أصبح الفرد أكثر قدرة على التمييز بين المواقف، وأهدأ في قراءته للأحداث، وأقل انجرافا خلف الخطابات العاطفية العابرة. فالانتماء الواعي لا يلغي التعاطف الإنساني، بل ينظمه، ولا يضعف القيم، بل يحميها من التوظيف أو الاستغلال.
رأيت - للأسف - نماذج لأشخاص اختاروا الابتعاد عن أوطانهم، لا عن شيء سوى الهروب من أزمة اجتماعية، أو مشكلة أسرية، أو حالة نفسية لم تدر بالشكل الأمثل. هؤلاء كانوا فريسة سهلة لجهات لا يعنيها الإنسان بقدر ما يعنيها استخدامه. استغلوا كأدوات ضغط وابتزاز، ثم تركوا في الهامش بعدما انتهى دورهم، بلا وطن حقيقي ولا انتماء بديل، ليبقى الإحساس بالفراغ مضاعفا؛ فالخسارة هنا ليست موقفا، بل فقدان شعور الانتماء ذاته.
وفي المقابل، نلاحظ أن بعض الشباب - بدافع الحماسة وحسن النية - يتفاعلون مع أحداث دولية معقدة بمنطق عاطفي مباشر، دون إدراك كامل لتشابك السياق السياسي الأشمل. فالعلاقات الدولية ليست لوحة أبيض وأسود، ولا تبنى على الانفعال الآني، بل على توازنات دقيقة، وشبكة متداخلة من المصالح، والمسؤوليات، والقرارات طويلة المدى، فالدول تدار بعقل استراتيجي يضع مصلحة الشعوب وأمنها واستقرارها في المقام الأول. وما يرى في مشهد واحد قد يكون جزءا صغيرا من صورة أكبر بكثير.
الحماسة الأخلاقية قيمة نبيلة، لكنها تحتاج إلى وعي ينظمها، وفهم يضعها في سياقها الصحيح. فالمشاعر، مهما كانت صادقة، قد تساء قراءتها إن لم تسند برؤية أوسع، وقد تستغل دون قصد إذا غاب إدراك تعقيدات الواقع. والخطر الحقيقي يظهر حين نقحم أنفسنا في ملفات تفوق قدرتنا على الإحاطة، أو حين نحمل الوطن تبعات مواقف بنيت على قراءة سطحية غير دقيقة. والفرق كبير بين التعاطف الإنساني الواعي، وبين الانجراف خلف خطاب مبسط لا يرى الصورة كاملة.
الوطن في جوهره، يشبه العائلة والبيت الواحد. قد نختلف في الرأي، وقد تتباين وجهات النظر، لكن هذا لا يضعف الرابط، بل يؤكد متانته. فشؤون البيت تدار من داخله، وأهله أدرى بتحدياته، وأحرص على استقراره ونموه.
وقد أثبتت التجربة التاريخية العميقة للمملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها وحتى اليوم، أن هذا الوطن لم يبن على ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل على منهج راسخ في الحكم، يوازن بين الثبات والتجديد، وبين حماية الاستقرار واستشراف المستقبل. تعاقب حكامها الكرام وهم يحملون المسؤولية التاريخية ذاتها تجاه الإنسان أولا، في علاقة متينة تجسد معنى الأسرة الواحدة والبيت الواحد؛ حكامنا منا، ونحن منهم. فصانت الدولة وحدتها، ورسخت مكانتها، ومضت بثقة في مسار التطور، حتى في أكثر المراحل الإقليمية والدولية تعقيدا.
وما تشهده المملكة اليوم من تحولات تنموية كبرى ليس خروجا عن هذا النهج، بل امتداد طبيعي لتجربة طويلة في الإدارة الحكيمة، والقرار المتزن، والقدرة على بناء دولة قوية، متماسكة، وقادرة على التقدم دون أن تفقد هويتها أو تفرط في استقرارها.
الوطن غال... غال أكثر مما نتصور. والوعي بالانتماء، والفهم الهادئ للسياق العالمي، لا يعنيان التخلي عن القيم، بل التعبير عنها بنضج ومسؤولية. فلا تكن - دون وعي - سببا في أن يمس هذا الوطن من خلالك، فالوطن لا يعوض!
خلال فترة ابتعاثي، عايشت وتأملت أحوال عدد من المغتربين الذين غادروا أوطانهم منذ سنوات طويلة، حتى أصبحوا مواطنين في دول أخرى. لكن اللافت أن كثيرين منهم لا يعيشون هناك بإحساس المواطن الحقيقي، بل يلازمهم شعور دائم بالاغتراب. وفي لحظات صفاء صادقة.. كانوا يقولون: هذه البلاد ليست لنا... سنبقى غرباء بها مهما طال الزمن. ثم يضيفون بنبرة تحمل شيئا من الحسرة: أنتم محظوظون... لديكم وطن تحبونه ويحبكم.
هنا يتجلى المعنى الحقيقي للوطن، فأن تعيش بلا وطن يشبه أن تعيش بلا جذور. الهوية تصبح باهتة، والانتماء هشا، وقيمة الإنسان تقاس بما يملكه من (مال) لا بما يمثله. لا شعور بالأمان العميق، ولا إحساس بأن هناك بيتا يمكن العودة إليه مهما اشتدت الظروف.
ومن زاوية نفسية اجتماعية، فإن شعور الإنسان بالانتماء لا يتكون فقط من القناعة الفكرية، بل من الإحساس العميق بأنه جزء من جماعة تمنحه المعنى والطمأنينة. وكلما كان هذا الإحساس متوازنا وراسخا، أصبح الفرد أكثر قدرة على التمييز بين المواقف، وأهدأ في قراءته للأحداث، وأقل انجرافا خلف الخطابات العاطفية العابرة. فالانتماء الواعي لا يلغي التعاطف الإنساني، بل ينظمه، ولا يضعف القيم، بل يحميها من التوظيف أو الاستغلال.
رأيت - للأسف - نماذج لأشخاص اختاروا الابتعاد عن أوطانهم، لا عن شيء سوى الهروب من أزمة اجتماعية، أو مشكلة أسرية، أو حالة نفسية لم تدر بالشكل الأمثل. هؤلاء كانوا فريسة سهلة لجهات لا يعنيها الإنسان بقدر ما يعنيها استخدامه. استغلوا كأدوات ضغط وابتزاز، ثم تركوا في الهامش بعدما انتهى دورهم، بلا وطن حقيقي ولا انتماء بديل، ليبقى الإحساس بالفراغ مضاعفا؛ فالخسارة هنا ليست موقفا، بل فقدان شعور الانتماء ذاته.
وفي المقابل، نلاحظ أن بعض الشباب - بدافع الحماسة وحسن النية - يتفاعلون مع أحداث دولية معقدة بمنطق عاطفي مباشر، دون إدراك كامل لتشابك السياق السياسي الأشمل. فالعلاقات الدولية ليست لوحة أبيض وأسود، ولا تبنى على الانفعال الآني، بل على توازنات دقيقة، وشبكة متداخلة من المصالح، والمسؤوليات، والقرارات طويلة المدى، فالدول تدار بعقل استراتيجي يضع مصلحة الشعوب وأمنها واستقرارها في المقام الأول. وما يرى في مشهد واحد قد يكون جزءا صغيرا من صورة أكبر بكثير.
الحماسة الأخلاقية قيمة نبيلة، لكنها تحتاج إلى وعي ينظمها، وفهم يضعها في سياقها الصحيح. فالمشاعر، مهما كانت صادقة، قد تساء قراءتها إن لم تسند برؤية أوسع، وقد تستغل دون قصد إذا غاب إدراك تعقيدات الواقع. والخطر الحقيقي يظهر حين نقحم أنفسنا في ملفات تفوق قدرتنا على الإحاطة، أو حين نحمل الوطن تبعات مواقف بنيت على قراءة سطحية غير دقيقة. والفرق كبير بين التعاطف الإنساني الواعي، وبين الانجراف خلف خطاب مبسط لا يرى الصورة كاملة.
الوطن في جوهره، يشبه العائلة والبيت الواحد. قد نختلف في الرأي، وقد تتباين وجهات النظر، لكن هذا لا يضعف الرابط، بل يؤكد متانته. فشؤون البيت تدار من داخله، وأهله أدرى بتحدياته، وأحرص على استقراره ونموه.
وقد أثبتت التجربة التاريخية العميقة للمملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها وحتى اليوم، أن هذا الوطن لم يبن على ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل على منهج راسخ في الحكم، يوازن بين الثبات والتجديد، وبين حماية الاستقرار واستشراف المستقبل. تعاقب حكامها الكرام وهم يحملون المسؤولية التاريخية ذاتها تجاه الإنسان أولا، في علاقة متينة تجسد معنى الأسرة الواحدة والبيت الواحد؛ حكامنا منا، ونحن منهم. فصانت الدولة وحدتها، ورسخت مكانتها، ومضت بثقة في مسار التطور، حتى في أكثر المراحل الإقليمية والدولية تعقيدا.
وما تشهده المملكة اليوم من تحولات تنموية كبرى ليس خروجا عن هذا النهج، بل امتداد طبيعي لتجربة طويلة في الإدارة الحكيمة، والقرار المتزن، والقدرة على بناء دولة قوية، متماسكة، وقادرة على التقدم دون أن تفقد هويتها أو تفرط في استقرارها.
الوطن غال... غال أكثر مما نتصور. والوعي بالانتماء، والفهم الهادئ للسياق العالمي، لا يعنيان التخلي عن القيم، بل التعبير عنها بنضج ومسؤولية. فلا تكن - دون وعي - سببا في أن يمس هذا الوطن من خلالك، فالوطن لا يعوض!