بطاريات (القلب القاسي)
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 21:53 - الاثنين 26 يناير 2026 21:53
تتوقع التقارير السوقية الصادرة عن مؤسسات بحثية مرموقة مثل «MarketsandMarkets» أن سوق بطاريات الحالة الصلبة سيشهد نموا انفجاريا بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 30% خلال العقد القادم، مع ضخ مليارات الدولارات من قبل عمالقة صناعة السيارات والتكنولوجيا في هذا المجال. هذا الاهتمام الهائل ليس وليد الصدفة، بل لأن هذه التقنية تمثل الحل الجذري للمعضلة الثلاثية التي تؤرق مهندسي الكهرباء ومستخدمي السيارات الكهربائية اليوم: السلامة، المسافة المقطوعة، وسرعة الشحن. لفهم حجم الإنجاز، يجب أن ننظر إلى داخل البطاريات التي نستخدمها حاليا في هواتفنا وسياراتنا (بطاريات الليثيوم-أيون التقليدية). هذه البطاريات تعتمد في عملها على سائل كيميائي يسمى «الإلكتروليت» أو الكهرل، وهو الوسط الذي تسبح فيه أيونات الليثيوم ذهابا وإيابا بين القطبين الموجب والسالب.
مشكلة هذا السائل أنه السيف المسلط على رقابنا؛ فهو قابل للاشتعال، ويتأثر بشدة بالحرارة والبرودة، ومحدود في قدرته على تحمل الجهد العالي. الأسوأ من ذلك، مع تكرار الشحن، قد تتشكل داخل السائل شعيرات معدنية دقيقة تسمى «التشجرات» (Dendrites)، تنمو بمرور الوقت حتى تخترق الحاجز الفاصل وتسبب ماسا كهربائيا داخليا يؤدي لاحتراق البطارية. لتفادي هذه المخاطر، يضطر مهندسو السيارات لتزويد البطاريات بأنظمة تبريد وحماية معقدة وثقيلة الوزن، مما يلتهم مساحة السيارة ويقلل كفاءتها.
هنا تأتي ثورة بطاريات الحالة الصلبة لتقلب الطاولة. الفكرة بسيطة لكنها عبقرية: استبدال السائل بمادة صلبة تماما (قد تكون من السيراميك، الزجاج، أو البوليمرات الصلبة). هذا التغيير الفيزيائي يغير قواعد اللعبة تماما. أولا، من حيث السلامة، المادة الصلبة غير قابلة للاشتعال ولا تتسرب، وتعمل كحاجز مادي صلب يمنع نمو «التشجرات» القاتلة، مما يعني بطارية آمنة للغاية حتى في الحوادث القوية، ويلغي الحاجة لأنظمة التبريد الثقيلة. ثانيا، وهو ما يهم المستخدم، تسمح المواد الصلبة باستخدام أقطاب معدنية من الليثيوم النقي (Lithium-Metal Anode) بدلا من الجرافيت، مما يضاعف كثافة الطاقة المخزنة. عمليا، هذا يعني أن السيارة التي تقطع 400 كم، ستقطع ببطارية الحالة الصلبة 800 كم أو أكثر بحجم البطارية نفسه، مما يقضي تماما على «قلق المدى» (Range Anxiety).
الميزة الثالثة الحاسمة هي سرعة الشحن. السوائل الحالية لا تتحمل التيارات العالية جدا دون أن تسخن وتتلف، لكن الهيكل الصلب والمستقر لهذه البطاريات الجديدة يسمح بضخ طاقة هائلة في وقت قصير جدا، مما يبشر بإمكانية شحن السيارة في 10 أو 15 دقيقة، أي ما يقارب وقت تعبئة الوقود التقليدي.
لكن، وكأي تكنولوجيا وليدة، لا يزال الطريق محفوفا بالتحديات الهندسية. التحدي الأكبر هو التصنيع؛ فالمواد الصلبة تتمدد وتنكمش أثناء الشحن، مما قد يخلق فجوات هوائية مجهرية بين الطبقات تقطع الاتصال الكهربائي وتضعف البطارية. المهندسون يعملون حاليا على تطوير مواد مرنة وطرق تصنيع دقيقة جدا (تستخدم الضغط العالي) لضمان التلامس المثالي المستمر. بمجرد تجاوز عقبة «التصنيع التجاري الواسع»، لن يتغير شكل السيارات فحسب، بل ستتغير طبيعة الأجهزة الالكترونية والطائرات الكهربائية، لندخل عصرا جديدا من الطاقة المحمولة الآمنة والمكثفة.