الرأي

مشاعر للبيع... كيف سرق الاستعراض الرقمي إنسانيتنا؟

حنان درويش عابد
انظروا إلي... كم أنا سعيد!
أنا وأسرتي نملأ الشاشات بصور لا تنتهي؛ في الحدائق، ومراكز التسوق، وفي رحلات الداخل والخارج. وها أنا شاب أتسلق جبال سويسرا، أو أتناول وجبة ساخنة في بكين أو طوكيو. وهي لا تتوقف عن بث مشاعر مصطنعة في التعليقات، وهو يبالغ في إعلان حب لا يراه أحد في الواقع على منشورات زوجته.

هذه ليست سعادة بقدر ما هي حالة استعراضية؛ تسويق للمشاعر بوصفها سلعة. لا يروج فيها لمنتج يشترى، بل يسوق الإنسان نفسه كـ«سلعة شعورية» معروضة على المشاع. أحيانا تستخدم لإظهار صورة غير حقيقية بدوافع شخصية أو أسرية، وأحيانا تستعمل كسلاح ناعم للانتقام من آخر ينظر إليه كخصم أو عدو شخصي.

يتواصل هذا النمط من تسليع المشاعر ضمن سلوك اجتماعي دخيل على عاداتنا وقيمنا، ويعكس أزمة يعيشها بعض الأفراد. أزمة لا تنتمي إلى سياق صحي، ولا تعبر عن تعامل متوازن مع منصات التواصل. فحين يعرض الإنسان ذاته كمادة شعورية للاستهلاك العام، يوقظ لدى المتابعين الواعين شكوكا غالبا ما تكون في محلها، لتتحول الممارسة - مهما بدت براقة - إلى موقف محرج في جوهره.

مشاعرنا نعمة من الله، وبحكم كونها نعمة ذات خصوصية عالية، فهي لا تمارس في فضاء مشاع. لحظاتنا الجميلة يكفي أن نتقاسمها فيما بيننا، وأوقاتنا المميزة يكفي أن تمر صورها - كما فعل آباؤنا وأمهاتنا - بين أيدي الأسرة والعائلة. ضحكاتنا وابتساماتنا عنوان براءتنا وصفاء قلوبنا؛ قيم عظيمة، ثمينة، تعبر عن جزء حساس منا: عن أرواحنا، وخجلنا، وحيائنا، وخصوصية ما نحمله تجاه من نحب، زوجا أو زوجة، أبناء أو آباء وأمهات، إخوة وأقارب.

إن تحويل المشاعر إلى مشهد مفتوح أمام عشرات الآلاف - وربما الملايين - ليس السلوك الأمثل ونحن نوثق أجمل لحظات العمر مع أحبابنا. فكثير من الأعين حين رأت أصابت، ولا شك أن أثر ذلك تضاعف في عصر التواصل الرقمي، والقصص شاهدة. فكل ما يتحول إلى سلعة يفقد قيمته الإنسانية، وكل سلعة - مهما كانت - لا بد أن تلمع في أعين الناس... ثم تخبو.