الرأي

حضور السعودية في اليمن صحيا وإنسانيا

شاهر النهاري
تتمايز استجابة المملكة العربية السعودية لاستغاثة الشرعية اليمنية بإخلاص للجار المتضرر وغوثه سياسيا وعسكريا ومن أي خلل يحدث بالوجود اليمني، وليس عن طريق استجابة طارئة حين اشتعال الفتن، بل مسار أخوي طويل النفس يبرز فيه البعد الخيري الإنساني، وعلى رأسه البعد الصحي، كأحد المؤشرات الصادقة على طيب النوايا وعمق الرؤية وغوث الملهوف بحرص وسخاء.

فمنذ بدايات الأزمة اليمنية، أدركت المملكة أن انهيار النظام الصحي في اليمن لا يعني فقط تزايد أعداد الضحايا، بل يعني تفكك المجتمع من داخله، وانسداد أي أفق للتعافي السياسي أو الاجتماعي.

لهذا، كان الحضور السعودي في القطاع الصحي حضورا ممتدا، متدرجا، وبكل أدوات الخيرية والعطاء.

عطاء لم يكن مقتصرا على إسعافات عاجلة أو قوافل ميدانية موسمية، بل تبنى كلفة ومسؤوليات ومهام بناء قدرات اليمن الحقيقية، بمستشفيات أنشئت من الصفر أو أعيد تأهيلها، ومراكز صحية تخصصية فتحت أبوابها أمام اليمنيين دون تمييز، وعيادات متخصصة ووحدات غسيل الكلى التي أنقذت حياة آلاف المرضى الذين كانوا على حافة الموت الصامت، وبرامج لعلاج أمراض وجراحة القلب، بما فيها العمليات المعقدة التي لم يكن الحلم بها متاحا داخل اليمن في ظروف الحرب.

وكل ذلك إلى جانب دعم حسن التشغيل.

فالمرافق الصحية لا تحيا بالجدران وحدها، بل بالدواء، والكادر الصحي، وبالاستمرارية.

وهنا تمثل الدعم السعودي المثالي، والذي سبق وأن وقف مع أكثر الأوطان العربية والإسلامية المتضررة، ضمن تمويل مستدام للأغذية والأدوية والمستلزمات الطبية، ودعم ورواتب وتشغيل، إرسال فرق طبية متخصصة، وتنفيذ برامج تطوعية عالية المستوى في الجراحات ومتابعة الأمراض الحادة والمزمنة.

والعقل المنصف يعرف أن كل هذا جرى في محافظات متعددة، بين الشمال والجنوب، والسواحل والداخل، لأن السعودية عاملت الصحة كحق إنساني، لا كأداة نفوذ.

مسار صحي علاجي لم يكن منفصلا عن الاعتبارات السياسية، لكنه لم يختزل فيها، فالمملكة، وهي تحمي حدودها وتواجه التهديدات المباشرة، كانت تدرك أن استقرار الجوار لا يبنى بالقوة وحدها، بل بإنعاش الحياة اليومية، ومنح الناس أسبابا للبقاء والصمود.

ولهذا جاء الدعم الصحي متكاملا مع دعم غذائي، وإغاثي، وتعليمي، وتنموي، في أطر رؤية تعتبر اليمن عمقا إنسانيا قبل أن يكون ساحة صراع.

وعلى الضفة الأخرى من المشهد، ظهرت نماذج مختلفة من الحضور، كانت تشارك في العناوين، ولكنها لا تشارك في الجوهر الإنساني.

حضور أطماع انشغل بالتموضع أكثر من العلاج، والتحكم أكثر من الرعاية، والفتنة أكثر من التهدئة، حتى اختلطت الوظيفة الصحية في بعض المناطق بالاغتيالات وتقسيم الأرض، وتحولت المرافق الصحية من ملاذ للمرضى إلى نقاط اعتقال وتخزين أسلحة، واستغلال، تدار بمنطق القوة لا بمنطق الشفاء.

هنا يتضح الفارق الجوهري: بين نهج وآخر اختلطت فيه المعالجة بالمؤامرات والتشتيت.

وهنا، يمكن قراءة التجربة السعودية الخيرية كاملة: برعاية صحية لا تنتظر دعاية، وحضور يقاس بعدد الأرواح التي أعيدت إليها الحياة، لا بعدد الرصاصات الخائنة، ولا بمغامرات المرتزقة.

ولذلك ستستمر خطوات السعودية مباركة قوية تعرف ذاتها، ولا تميل ميل الشياطين!