الرأي

من التدريب إلى التوظيف: أين تنكسر الحلقة؟

مطير سعيد الزهراني


يفترض أن يكون التدريب التعاوني بوابة العبور الأولى من الجامعة إلى سوق العمل، وأن يمثل المرحلة التي يختبر فيها الطالب جاهزيته المهنية، وتختبر فيها الجهة قدرته على الاندماج والإنتاج؛ غير أن هذه البوابة، في كثير من الحالات، لا تفتح على وظيفة، بل تنتهي عند حد الاستيفاء الأكاديمي، وكأن التدريب غاية بحد ذاته لا وسيلة لمرحلة تالية.

وتزداد هذه الإشكالية وضوحا حين ينفذ التدريب التعاوني في بعض الكليات في الفصل الدراسي الثاني من السنة الثالثة، أي قبل التخرج الفعلي بعام كامل، وهذا الترتيب يبدو منسجما مع الخطة الدراسية، لكنه يخلق فجوة زمنية صامتة بين لحظة الاحتكاك بسوق العمل ولحظة الاستعداد الحقيقي للالتحاق به، فالطالب يتدرب، ثم يعود إلى القاعات الدراسية عاما كاملا، تنفصل خلاله تجربته العملية عن مساره الأكاديمي، وتتلاشى فرصة البناء المباشر عليها.

وفي هذا السياق، يفقد التدريب المبكر قدرته على التحول إلى فرصة توظيف، حتى حين يظهر المتدرب كفاءة واضحة، لا تجد الجهة التدريبية مسارا عمليا للاحتفاظ به أو الاستثمار فيه، لأنها تتعامل مع طالب لم يقترب بعد من التخرج، ولا يملك إطارا زمنيا يسمح بتحويل التجربة إلى عقد أو التزام مهني، وهكذا يتحول التدريب من جسر عبور إلى تجربة معزولة، لا تتصل بزمن التوظيف ولا تؤدي إليه.

والمشكلة هنا لا تتعلق بجودة التدريب وحدها، بل بطبيعة ما بعده، فالتدريب في جوهره ليس مجرد فترة تعلم، بل مرحلة اختبار متبادل: يختبر الطالب بيئة العمل، وتختبر الجهة كفاءته وسلوكه المهني، وعندما ينتهي هذا الاختبار من دون مسار واضح، تهدر قيمته العملية، ويضيع ما كان يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية للطرفين.

وتتوزع مسؤولية هذا الانكسار بين أطراف متعددة، فالجامعة غالبا ما تتعامل مع التدريب بوصفه نهاية المسار الأكاديمي، لا بداية المسار المهني، والجهة التدريبية تنظر إلى المتدرب كحضور مؤقت، لا كاستثمار محتمل، أما الطالب، فيتعامل مع التدريب كمرحلة إلزامية تستكمل، لا كفرصة يجب البناء عليها، والجميع يعمل بنية حسنة، لكن من دون اتفاق صريح على الهدف النهائي.

والخسارة في هذا الوضع ليست فردية، فسوق العمل يفقد فرصة استقطاب كفاءات جربت مسبقا، والجامعة تواجه فجوة بين ما تعلنه عن جاهزية خريجيها وما يواجهه الخريج فعليا بعد التخرج، والمجتمع يتحمل كلفة إعادة التأهيل والتدريب من جديد، وكل ذلك يحدث لأن الحلقة بين التدريب والتوظيف لم تغلق في توقيتها الصحيح.

ولا يعني هذا أن التدريب المبكر خطأ في ذاته، بل إن قيمته تكمن في حسن استثماره، فالتدريب في السنة الثالثة يمكن أن يكون مرحلة اكتشاف مهني فعالة، إذا ربط بمسار واضح لما بعدها، مسار يبدأ بتوثيق الأداء، ويستمر بتوصية مهنية، ويتحول في السنة الأخيرة إلى تدريب جزئي، أو مشروع تطبيقي، أو تواصل منظم مع الجهة ذاتها، بحيث يعود الطالب إلى السوق وهو أقرب زمنيا وذهنيا من لحظة التوظيف.

إن إعادة وصل التدريب بالتوظيف لا تتطلب قرارات معقدة بقدر ما تتطلب وضوحا في الرؤية، فالتدريب الذي لا يقود إلى فرصة، أو على الأقل إلى مسار واضح نحوها، يظل تجربة ناقصة مهما كانت منضبطة، وحين تبنى هذه الحلقة بوعي زمني ومهني، يصبح التدريب بداية فعلية للحياة العملية، لا محطة عابرة على طريق التخرج.