العمل مع فريلانسر أجنبي دون سجل نظامي: المخاطر والحلول القانونية
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 01:17 - الاثنين 26 يناير 2026 01:17
شهدت بيئة الأعمال في السنوات الأخيرة توسعا كبيرا في الاعتماد على العمل الحر العابر للحدود، مدفوعا بالتطور التقني وسهولة التواصل الرقمي، مما جعل الاستعانة بفريلانسر أجنبي خيارا شائعا لدى كثير من الشركات ورواد الأعمال. غير أن هذا التوسع، على الرغم من مرونته، يطرح إشكالات قانونية خطيرة عندما يتم التعامل مع فريلانسر أجنبي لا يملك سجلا نظاميا أو صفة قانونية معترفا بها داخل الدولة.
ويقصد بالفريلانسر الأجنبي غير المسجل: ذلك الشخص الذي يقدم خدماته عن بعد دون أن يكون لديه كيان نظامي، أو ترخيص مهني، أو تمثيل قانوني يجيز له ممارسة النشاط التجاري أو المهني وفق الأنظمة المعمول بها. ويكمن الفارق الجوهري هنا بين العمل الحر المنظم، الذي يتم عبر منصات أو شركات مرخصة، وبين العمل غير المنظم الذي يتم بصورة شخصية مباشرة، بما يحمله من مخاطر قانونية على الطرفين.
وتبدأ الإشكالية القانونية عند التعامل المباشر مع هذا النوع من الفريلانسرز، إذ يغيب الإطار النظامي الذي يحكم العلاقة التعاقدية، مما يضعف الحجية القانونية للعقد - إن وجد - ويجعل إثبات الحقوق أمام الجهات القضائية أو الرقابية أمرا بالغ الصعوبة. كما أن هذا النوع من التعامل قد يثير شبهة التحايل على الأنظمة التجارية أو العمالية، خاصة إذا توافرت عناصر التبعية والاستمرارية.
أما على صعيد المخاطر النظامية التي يتحملها صاحب العمل، فإن أبرزها يتمثل في احتمالية المساءلة بتهم التستر، أو مخالفة أنظمة العمل، أو الإخلال بمتطلبات الامتثال والحوكمة، فضلا عن التعرض لإشكالات مرتبطة بأنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا سيما إذا كانت التحويلات المالية غير واضحة المصدر أو الغرض.
ولا تقل المخاطر المالية والتجارية أهمية، إذ يفتقر التعامل غير المنظم إلى الضمانات الكفيلة بحماية صاحب المشروع من الإخلال بالالتزامات، أو رداءة الأداء، أو التأخير، أو حتى الامتناع عن تنفيذ العمل بعد استلام المقابل المالي. كما أن استرداد المبالغ في حال النزاع يكاد يكون مستحيلا في غياب كيان قانوني يمكن الرجوع عليه.
وتزداد الخطورة عند إجراء تحويلات مالية مباشرة إلى حسابات شخصية في الخارج، حيث قد تصنف هذه التحويلات على أنها مشبوهة أو غير مبررة، مما يعرض صاحب الحساب للمساءلة، ويضعه تحت دائرة الاشتباه لدى الجهات المالية والرقابية.
وفي المقابل، تبرز حلول قانونية آمنة تتيح الاستفادة من مرونة العمل الحر دون الوقوع في المخالفات، من أهمها التعاقد عبر شركة وسيطة مرخصة تتولى إدارة العلاقة، أو استخدام منصات رقمية معتمدة توفر إطارا نظاميا واضحا، أو إبرام عقد تقديم خدمات محدد المدة والمهام، مع التأكيد الصريح على عدم نشوء علاقة عمل.
كما يعد التمييز الدقيق بين عقد العمل وعقد تقديم الخدمات عنصرا جوهريا في الحماية القانونية، إذ إن تجاوز ضوابط الاستقلالية والتبعية قد يؤدي إلى إعادة تكييف العلاقة قانونيا باعتبارها علاقة عمل، بما يترتب عليه التزامات نظامية غير محسوبة.
وفي الختام، فإن التعامل مع فريلانسر أجنبي دون سجل نظامي قد يبدو حلا سريعا وقليل التكلفة، لكنه في الواقع يحمل مخاطر قانونية ومالية جسيمة. ومن هنا، فإن الالتزام بالحوكمة والامتثال، والتحقق من الصفة النظامية للأطراف، وتوثيق العلاقات التعاقدية بصورة صحيحة، يمثل الخيار الأكثر أمانا لتحقيق التوازن بين المرونة التجارية والسلامة النظامية.