المحتوى الكاذب شرارة البداية رماد الحقيقة
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 01:10 - الاثنين 26 يناير 2026 01:10
حين يولد المحتوى الكاذب فإنه يولد من مصادر وأماكن محددة ومنتشرة على شبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، وتعرف باسم مولدات الأخبار الكاذبة والتي تتشكل من مواقع الإنترنت المزيفة التي تبدو وكأنها مصادر حقيقية، بالإضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي وما تمتاز به من سهولة المشاركة وسرعة الانتشار، وتدعمها خوارزميات التوصية التي تعزز من انتشار المحتوى المثير وتخلق «فقاعات تصفية»، كذلك من خلال مختبرات وأفراد وجماعات في دول مختلفة وتنطلق لأهداف سياسية، مالية، أمنية، اقتصادية، وفكرية.
ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي انتشرت القصص المزيفة التي يعتقد «البعض» من الجمهور أنها حقيقية، علما أنها بنيت لاستهداف جماهير محددة، كما تنتشر الأخبار الكاذبة من خلال القراصنة الذين يعمدون على اختراق منصات الأخبار المعتبرة لنشر قصص تخدم مصالح شخصية، وهنالك المتصيدون الذين يعمدون على نشر تعليقات كاذبة أو مثيرة للجدل للإزعاج وإثارة النقاش.
في العموم تبدأ لحظة ولادة المحتوى الكاذب بقدر من «التخييل» وفي كل محتوى كاذب جزء حقيقي صادق، ولكنه يمثل القمة من الرماد، ومبني على واقع ناقص بشكل متعمد ومخفي، وفي الأسفل حيث النار المشتعلة الواقع الناقص والتلاعب الحقيقي المقصود بالنص والصور والفيديو، في الغالب يكون العنوان حقيقيا قابلا للتصديق ولكنه قابل للإثارة، فمن عناصر بناء المحتوى الكاذب ليكون متداولا في هذه المرحلة التحريرية المهمة ثلاثة عناصر أساسية، وهي: عنوان جذاب، قصة بسيطة، وتفاصيل تثير الفضول، هذه التشكيلة تصنع القالب الأول لأي محتوى، والكذب يأتي في التفاصيل.
المرحلة الثانية من عمر المحتوى الكاذب من يعمل على التقاطه أولا، فيحتاج المحتوى الكاذب إلى مجموعات تصدقه وتقبل به دون تفكير، وتقبل المحتوى الوارد لها من جماعة أو فرد بعينه، فتقوم الجماعة المؤمنة به بالتفاعل معه وهو ما يطلق عليه في علم الاتصال «نقاط الإشعال».
من صفات المجاميع المشكلة لنقاط الاشتعال الاتصالية أنهم ضمن فقاعة اتصالية ومعلوماتية واحدة؛ فقد يكونون أشخاصا يبحثون عن أخبار توافق قناعاتهم، أو صفحات تسعى لزيادة المتابعين بأي مادة مثيرة، أو حسابات مجهولة هدفها الإثارة، وبمجرد أن يلتقطها أحد مجاميع «نقاط الإشعال» التي تعمل في الغالب معا وضمن إطار تواصلي أو فكري أو سياسي تبدأ السلسلة في الانتشار.
في التفاعل الأولي يتحول المحتوى الكاذب إلى محتوى متداول ليس بسبب المصداقية والموثوقية؛ بل يكتسب أهميته من قدرته على إثارة الدهشة، والقدرة السريعة في فهم التوافق مع مشاعر الجمهور، وخلق حالة من الانقسام ما بين معترض ومؤيد له، وعند التفاعل معه ومشاركته يبدأ المحتوى بالانتشار ويأخذ أول خطواته الجادة.
في المرحلة الثانية يصبح دور الفاعل والمؤثر هنا التوسع الخوارزمي الذي يضخم الضجيج حول المحتوى الكاذب؛ فالخوارزميات لا تتحقق من المنشور ولا تبحث عن الحقيقة؛ بل تبحث عن الحركة، فإذا لاحظت نقاشات مختلفة وتفاعلا مرتفعا، وجدلا ما بين مؤيد ومعارض، وانتشارا لعلامات من نوع السخرية، الغضب، العنصرية والكراهية في المحتوى؛ تعمل الخوارزمية على رفعه من انتشار عادي إلى انتشار غير قابل للإيقاف حتى يختفي الحديث والتداول بشأنه.
ومما يعطي المحتوي الكاذب الوصول العالي والانتشار القدرة على النقل، وهذا ما تقوم به الحسابات بكل أشكالها من خلال إعادة إنتاج الزيف، فكل ناقل يضيف طبقة جديدة من المحتويات من نوع تحليل، صورة، تعليق، إعادة صياغة، أو حتى قصة موازية، وهكذا يصبح المحتوى الكاذب سلسلة نسخ متتالية، بعضها حقيقي والكثير منه زائف لا يشبه الأصل، حتى إن بعضها يبتعد عن صلب الموضوع ولا يتشابه معه إلا في العنوان.
مع تكرار النسخ والتداول يصبح الزائف موثوقا؛ وكلما كثر النسخ انتشر المحتوى وأصبح أكثر موثوقية، وهنا ينال المحتوى الكاذب شرعية حين يصدقه من لا يريد التفكير أو التحقق، والخطورة تكمن هنا في النقل دون التحقق، ويقوم بهذا الدور بقصد أو دون قصد صحافيون غير مدققين للحقائق وغير مدركين لحجم التضليل الذي يمارسونه، ويتم تداوله من قبل المشاهير إما بتبنيه بشكل كامل أو نقلة تحت شعار «يقال» ثم ينتشر عبر الوسائل الإعلامية الرسمية وعلى الفضائيات المختلفة، عندها يصبح المحتوى الزائف جزءا من الحديث اليومي.
عند التفاعل وانتشار المحتوى الكاذب بفعل تعاون الخوارزمية والبشر تبدأ الجهات المتضررة من المحتوى الكاذب في المواجهة، ويبدأ الجمهور بطرح الأسئلة الواعية، والتحقق من المعلومات والأرقام والتصريحات والصور والفيديو المتداول، وعندها يبدأ المحتوى الكاذب بالتراجع البطيء، ولأن التصحيح لا ينتشر بسرعة مثل الخطأ، والجمهور المتحمس للمعلومة الأصلية الزائفة التي ساهم فعليا في نشرها ربما يتجاهل الحقيقة، وهنا يدخل المحتوى الكاذب مرحلة التقلص التدريجي والنهاية.
كما أن أسفل الرماد هناك نار مشتعلة تستمر لساعات؛ كذلك حال المحتوى الكاذب فهو لا يختفي بشكل دائم لأن الذاكرة الرقمية لا تمحو بسهولة؛ بل يعود عند أي أزمة أو استدعاء للموضوع ذاته، وقد يعود بعد فترة بطريقة مختلفة، فمثلا قد يحمل معلومات وعنوانا مختلفا، ولكن بالمضامين ذاتها، أو يتحول إلى سردية أكبر وأشمل مما كانت عليه من قبل.
وختاما، الكثير من المحتوى الزائف ظهر لفترة محدودة ثم اختفى، وكثير أيضا انتشر وتحول إلى سردية لم تنته، فرحلة المحتوى الكاذب ليست معلومة أو رقما أو تصريحا خاطئا؛ بل رحلة توافقية وسلسلة تفاعل ما بين الإنسان، والخوارزمية وقودها الفجوات المعرفية وأدبيات التحقق من المعلومات المنتشرة.