من قوس الأزمات إلى قوس الاحتواء: تحولات إدارة الإقليم في النظام الدولي الجديد
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 01:09 - الاثنين 26 يناير 2026 01:09
يشهد النظام الدولي المعاصر تحولا عميقا في كيفية إدارة الأقاليم المضطربة يمكن توصيفه بالانتقال من منطق «قوس الأزمات» إلى ما يمكن تسميته «قوس الاحتواء الإقليمي». هذا التحول لا يقتصر على تغيير في الأدوات أو الفاعلين، بل يعكس تبدلا في فلسفة إدارة المجال الجيوسياسي الممتد من آسيا إلى إفريقيا عبر الشرق الأوسط، من التفكيك الممنهج إلى الضبط الوقائي.
في سبعينيات القرن الماضي صاغ زبيغنيو بريجنسكي مفهوم «قوس الأزمات» في سياق الحرب الباردة، بوصفه فضاء جغرافيا هشا قابلا للاشتعال يمتد من أفغانستان إلى القرن الأفريقي. جوهر هذا المنطق كان تفكيكيا: تغذية النزاعات الهوياتية والطائفية ودعم الفواعل دون الدولة، وإدارة الفوضى بما يمنع تشكل قوى إقليمية مستقلة. ورغم نجاح هذا النموذج في استنزاف الخصوم إلا أن محصلته التاريخية كانت مدمرة: انهيار الدولة الوطنية، صعود الإرهاب العابر للحدود، وتعريض النظام الدولي نفسه لمخاطر ممتدة من الهجرات القسرية إلى تعطل الممرات الحيوية.
في المقابل يتشكل اليوم منطق مغاير جذريا يمكن تسميته «قوس الاحتواء الإقليمي». هذا القوس لا تقوده قوة عظمى خارجية، بل تنسجه قوى إقليمية مركزية أدركت أن استمرار الفوضى لم يعد أداة نفوذ بل تهديد مباشر لأمنها ومشاريعها التنموية. الفارق الجوهري هنا ليس في الجغرافيا بل في الفلسفة: من استنزاف الإقليم إلى تحصينه ومن استخدام الفوضى إلى إدارتها ومن تفكيك الدول إلى إعادة شرعنتها. قوس الاحتواء بالمعنى الدقيق ليس بعد بنية مؤسسية قائمة بل نمط ناشئ من التقارب تفرضه المصالح المشتركة في مواجهة الفوضى. إنه أقرب إلى تزامن استراتيجي منه إلى تحالف معلن، لكن هذا التزامن نفسه يشكل بداية لمعمار إقليمي محتمل.
هذا التحول نتج عن جملة عوامل بنيوية: إرهاق نموذج الحروب بالوكالة الذي تديره قوى دولية عبر وكلاء إقليميين يعتمدون على ميليشيات دون الدولة، صعود نظام دولي متعدد الأقطاب يحتاج إلى مناطق استقرار لا ساحات اضطراب، وانكشاف محدودية القوة العسكرية الإسرائيلية في فرض نظام إقليمي بالقوة بعد حرب غزة رغم تعاون قوى إقليمية معها لتقديم النموذج البديل. كما تزامن مع انشغال القوى الكبرى بأزماتها: الولايات المتحدة تعيد تموضعها نحو آسيا من جهة ونصف الكرة الغربي من جهة أخرى، روسيا غارقة في أوكرانيا، والصين ينصب تركيزها على المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية وتمضي بهدوء نحو استراتيجيتها الحزام والطريق. هذا الفراغ النسبي فتح المجال أمام قوى إقليمية لإعادة تعريف دورها بوصفها ضامنة للاستقرار لا أدوات في صراعات الآخرين.
يتشكل قوس الاحتواء حول أربع دول محورية تؤدي أدوارا متكاملة. في مركز هذا البناء تقف السعودية بوصفها العقل المؤسس والمرجعية السياسية للنموذج الجديد. الدور السعودي لا يقوم على الهيمنة بل على مأسسة الاستقرار: استخدام الموارد الاقتصادية كأدوات ضبط لا كمجرد مساعدات؛ إعادة الاعتبار للدولة الوطنية في مواجهة خطاب الميليشيات؛ وبناء نموذج تنموي بديل عبر البعد الحضاري لرؤية 2030، إضافة إلى التحصين الذي تنتهجه السعودية في السودان واليمن للدولة الوطنية من خلال دعم مؤسسات الدولة في مواجهة الميليشيات، إلى جانب الدور السعودي في المنظمات الإقليمية والدولية، وجميعها يعكس جهود الانتقال من رد الفعل إلى استراتيجية استباقية لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بأكملها نحو الاستقرار والتنمية.
إلى الشرق، تمثل باكستان العمق الاستراتيجي للقوس والجسر الآسيوي له بوصفها القوة النووية الإسلامية الوحيدة، تضيف بعدا ردعيا غير معلن يمنع الانزلاق إلى مغامرات عسكرية كبرى من شأنها تقويض هذه الجهود. خبرتها الطويلة في إدارة التمرد والفواعل دون الدولة رغم تعقيداتها تمنح القوس رصيدا عملياتيا ومعرفيا. الشراكات الدفاعية مع السعودية تعكس هذا الدور بوصفه عمقا استراتيجيا لا تحالفا توسعيا.
على الحافة الشمالية تلعب تركيا دور ضابط التخوم ومدير الحدود المعقدة. موقعها الجغرافي عند تقاطع القوقاز والبلقان وشرق المتوسط يجعلها عنصرا لا غنى عنه في أي معمار استقراري. يدفع تركيا نحو هذا الدور التحول في استراتيجيتها من منطق «العمق الاستراتيجي» التوسعي إلى براغماتية استقرارية قائمة على الضبط لا التمدد. صناعاتها الدفاعية المتقدمة وقدرتها على إدارة الحدود المضطربة تجعلانها شريكا تكامليا في الاحتواء الإقليمي.
مصر، تمثل مع السعودية الثنائية العربية الثابتة تاريخيا، فهي الركيزة العربية الأخرى للقوس، بثقلها الديموغرافي، ومركزا تاريخيا وحضاريا، تقدم شرعية سياسية وديموغرافية من المهم استثمارها. سيطرتها على قناة السويس وموقعها في شرق المتوسط يجعلانها حارسا طبيعيا لممر عالمي حيوي. ورغم التحديات الاقتصادية يبقى دور مصر أساسيا في تثبيت مفهوم الدولة الوطنية المركزية.
قوس الاحتواء بهذا المعنى لا يشمل القوى الثورية أو المشاريع العابرة للحدود، بل يقوم على دول ذات مصلحة مباشرة في الاستقرار، وتعمل ضمن منطق الدولة لا الأيديولوجيا. وهو ليس حلفا عسكريا تقليديا ولا محورا أيديولوجيا، بل تحالف قائم على تنسيق مرن، تلاقٍ استراتيجي واتفاق ضمني على منع الانهيار الشامل. لا معاهدة ملزمة بل قرارات توافقية وتراتبية مدروسة.
الوظائف الاستراتيجية للقوس متعددة، أولها إدارة ملف الانتقالات السياسية في الدول المنهارة أو الهشة كما في السودان واليمن، عبر مزيج من الحوافز الاقتصادية والضمانات الأمنية والشرعنة الإقليمية التدريجية. ثانيها العمل على احتواء الفواعل المسلحة دون الدولة من خلال التجفيف المالي والعزل السياسي، والإدماج المشروط ضمن الدولة. ثالثها إعادة شرعنة الدولة الوطنية كمفهوم ومؤسسة وربط الدعم الاقتصادي بالإصلاح المؤسسي واحترام السيادة. رابعها القيام بأدوارها ضمن منظومة العمل الجماعي للتحصين الأمني الجماعي.
في المقابل يواجه القوس تحديات بنيوية حقيقية، أبرزها: التباين المصلحي بين أعضائه، واحتمالات التدخل الخارجي من قوى كبرى أو أطراف متضررة من الاستقرار. تجاوز هذه التحديات يتطلب تركيزا صارما على المصالح لا الهويات، مأسسة تدريجية حذرة، وبناء شبكة مصالح اقتصادية وأمنية تجعل التفكك مكلفا. نظريا يقدم قوس الاحتواء نموذجا جديدا في العلاقات الدولية، يتجاوز الواقعية الصلبة والليبرالية القيمية نحو ما يمكن تسميته «البراغماتية الاستراتيجية». هي نموذج إقليمي غير أيديولوجي قائم على إدارة المخاطر لا تصدير القيم وعلى الوساطة بوصفها مصدر قوة. إنه يعيد تعريف الإقليمية من رابطة هوية إلى شراكة ضد الفوضى.
يمثل الانتقال من قوس الأزمات إلى قوس الاحتواء انعطافة نوعية في إدارة الإقليم في النظام الدولي متعدد الأقطاب. إنه انتقال من التفجير إلى الضبط، ومن الهيمنة إلى التوازن، ومن الفوضى كأداة إلى الاستقرار كضرورة. والسؤال الحاسم الذي سيحدده العقد القادم: هو ما إذا كان هذا النموذج سينجح في تحويل المنطقة من عبء مزمن على النظام الدولي إلى ركن استقرار، أم سيظل تجربة مؤقتة في تاريخ طويل من الاضطراب؟