تُرى.. أكنتُ عاقا؟
الاثنين / 7 / شعبان / 1447 هـ - 01:07 - الاثنين 26 يناير 2026 01:07
في الأسبوع الماضي أجرت والدتي، حفظها الله، عملية سحب الماء الأبيض من عينها اليسرى. وبرغم أن العملية سهلة وبسيطة، وتجرى في أقل من ربع ساعة، فإن مسمى «عملية» وحده كفيل بأن يبعث القلق والخوف في نفس المريض وأهله على حد سواء. وقد كانت أمي صابرة محتسبة، غير أن تساؤلاتها الكثيرة كشفت لي عن قلقها وتوترها؛ إذ حذرتني قائلة «يا ولدي، أخشى أن يخطئ الطبيب ويجري العملية في العين الأخرى». فقلت مطمئنا لها: لا تقلقي، فالعملية سهلة، والطبيب معتاد على إجرائها. فقالت «لا تعجب من تخوفي، فقد سمعت عن حالات كثيرة يخطئ فيها الأطباء».
وقبل دخولها غرفة العمليات، طلبت الممرضة من والدتي أن تخلع حذاءها. فجثوت عند قدميها وبدأت بخلع الحذاء، وهي متحرجة مني، ثم تناولت حذاءها وهي تمانع أن آخذهما معي، ظنا منها أنها ستحملهما معها إذا دخلت. وحاولت إفهامها أن الدخول بهما ممنوع، فلم تنتبه لكلامي، فقلت بصوت واضح «يا أمي، لهما مكان مخصص لوضعهما فيه». فالتفت الناس إلي، وخشيت أن يكون صوتي قد ارتفع فوق الطبيعي، وأني قد وقعت في إثم العقوق. وبقي هذا الهم ملازما لي فوق هم العملية نفسها، ولازمني الشيطان طيلة الوقت، فأنا أقول: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهو يهمس لي ويقول «أنت ابن عاق!».
كنت أنظر في أعين الناس من حولي، لعل أحدهم يرمقني بنظرة ازدراء أو يوبخني، فإذا وقع نظرهم علي طأطأت رأسي، وقلت في نفسي «هذا أثر العقوق» ولم تهدأ نفسي حتى رأيت الممرضة التي طلبت من أمي خلع الحذاء، فسألتها «هل كنت عاقا حين قلت لأمي كذا وكذا؟» قالت: لا يا أخي، بل كنت بارا عطوفا حنونا. فقلت: الحمد لله. وانتظرت حتى خرجت أمي من غرفة العمليات، فلما رأيتها مرتاحة مطمئنة انحنيت عند قدميها، وألبستها حذاءها، وأنا غارق في التواضع والاحترام لقدرها وفضلها علي، وقلت لها: الحمد لله على سلامتك يا أمي.
من المفارقات التي سجلتها أثناء وجود أمي في غرفة العمليات وجود رجل مسن على كرسي متحرك، كان برفقة سائقه الأجنبي. سألني: مم تشكو يا بني؟ فقلت بصوت منخفض «أشكو الخوف من العقوق» فلم يسمعني، ثم أجبته وقلت: الحمد لله، أنا فقط أرافق والدتي، ولا أشكو من شيء. ثم هكذا ومن باب الفضول سألته عن حالته، فلم يقل أشكو كذا وكذا، بل قال: عندي خمسة من الأبناء وبنت تعمل أستاذة في الجامعة، ولكل منهم مشاغله وارتباطاته الخاصة، وهذا السائق الذي تراه معي أصبح كما لو كان ابنا لي. فقلت في نفسي «كل ما نحن فيه يا عماه عقوق وإن اختلفت درجاته».
وفي طريق عودتنا إلى بيت والدي، سألت أمي أن تعفو عني وتغفر لي زلتي حين رفعت صوتي مشيرا إلى مكان وضع الحذاء. فقالت مستغربة: أوفعلت ذلك؟ قلت: الشيطان وسوس لي، عليه لعنة الله. فضحكت وقالت: لو سمعتك لفعلت كذا وكذا. فضحكت معها بأدب، ثم رفعت يديها تدعو الله لي بدعوات أيقنت أن الله قد استجابها؛ إذ انشرحت نفسي، وزال همي وقلقي، وتبدلت حالتي. فالحمد لله على كرمه وفضله علينا ورفقه ورحمته بنا.
من أصعب المشاعر وأقساها أن يرى الإنسان والديه وقد كبرا وضعفا من بعد قوة وشدة، ولا فضل له ولا منة إن قام بواجبه نحوهما، بل هو الحق الذي أوجبه الله عليه. وعار عليه إن تكبّر عليهما أو قصر في رعايتهما، ويا لخسارته وندمه إن هو أغلظ في قوله أو فعله معهما، يقول الله تبارك وتعالى ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾.. اللهم ارحم أبي وأمي كما ربياني صغيرا، وامدد في عمريهما بالصحة والعافية والعمل الصالح، وارزقني، يا رب، برهما وطاعتهما.