الرأي

ما بين تأكيد الهوية... وضياعها

علي عبدالله باوزير
يزخر التاريخ بدروس لا بد أن نتعلمها ولا يمكن أن نتجاهلها ... ولا أعني بتعلم دروس التاريخ أن يرجع كل منا إلى ما حدث في زمن الفرس والروم، وإنما يجب - على الأقل - أن نتعلم من تاريخنا المعاصر الذي نعرفه ونراه أمامنا.فالله يدعو الأمم والشعوب لأن تتعلم من واقعها:(أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) - التوبة.(أولم يروا أنا جعلنا حرما ءامنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) - العنكبوت.ولو رجعنا إلى تاريخنا المعاصر فسوف نجد أن انهيار الاتحاد السوفيتي كان من أكبر الأحداث التي تستحق أن نتأملها ونتعلم منها الكثير من الدروس، خاصة أن الاتحاد السوفيتي كان ثاني أكبر قوة في التاريخ المعاصر، وأن انهياره لم يكن أساسا بسبب انتصار أعدائه، وإنما كان انهيارا بحكم طبيعة الاتحاد السوفيتي ذاته.وانهيار الاتحاد السوفيتي له أبعاد متعددة: أيدولوجية واقتصادية وسياسية واجتماعية، إلخ... وأتناول في هذا المقال أحد أهم الأبعاد التي أدت إلى الانهيار: وهو فشل الهوية السوفيتية الشيوعية ذاتها على المستوى الإنساني.. لأنها كانت هوية تتعارض مع مجتمعات ترسخت فيها ميول وقناعات ثقافية ودينية ووطنية على مدى قرون.وبتعبير آخر أن الهوية السوفيتية كانت هوية 'مختلقة'، لا أساس لها في المجتمعات التي فرضت عليها تحت شعارات أيدولوجية، والشيء ذاته حصل لشعوب تبنت هوية 'مستوردة'، كما رأينا من مجتمعات شرقية تبنت ثقافات غربية لا تتفق مع طبيعتها، فكانت النتيجة هي الصراع والانقسام، وفي المقابل: فإن الشعوب التي حافظت على هويتها الطبيعية وأبرزتها بصيغة عصرية هي الشعوب التي استطاعت النهوض والتغلب على المصاعب والتحديات، مهما كانت.وعلى سبيل المثال كانت الهوية البريطانية الطبيعية التي تترسخ في المواطن منذ دخوله إلى المدرسة، والتي يعمل ويعيش بموجبها، هي الأساس في صمود بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، بينما كانت القنابل والصواريخ الألمانية تدك بريطانيا من أساسها، وكانت الهوية الألمانية التي تترسخ في المواطن منذ دخوله إلى المدرسة أيضا، والتي يعمل ويعيش بموجبها، هي السبب في تحمل الشعب الألماني لأقسى الصعوبات، حتى أمكنه أن ينهض من جديد من بعد دمار الحرب العالمية... ليصبح أقوى اقتصاديات أوروبا.ولا يعني الحفاظ على الهوية الجمود على المظاهر والشكليات، أو الانغلاق الفكري والنفسي، أو الانعزال عن العالم وعدم التحديث: فعلى سبيل المثال استطاعت اليابان الحفاظ على هويتها - بل وأن تتفوق على غيرها - عندما عبرت عن هويتها بصيغة عصرية، وهو ما نراه واضحا من انعكاس الهوية اليابانية على نظام التعليم الياباني، وأسلوب إدارة الشركات اليابانية، وأسلوب تربية الأطفال، والاهتمام الشديد بأداء الواجب، والحرص على التعاون والتناغم الاجتماعي، والدقة والاتقان اللذين يتميز بهما اليابانيون، والاهتمام بالنظافة كـ'أسلوب حياة' يجمع ما بين العقيدة الدينية 'الشنتو والبوذية' والتعليم المدرسي الذي يعزز الاهتمام بالصحة والمسؤولية الجماعية.فالهوية الطبيعية عنصر أساسي في عملية التنمية، وهي الصورة التي يبرزها الشعب عن نفسه أمام العالم، والحفاظ على الهوية واحترامها سببان في نجاح المجتمع وصموده أمام الصعوبات.فلا يجب إهمال الهوية الطبيعية، ومن الضروري إبرازها في صياغة عصرية واقعية تنعكس في الفكر والسلوك والعمل ومختلف جوانب الحياة الإنسانية: فالمحافظة على الهوية أبعد من ارتداء الزي الوطني أو إحياء الحرف اليدوية التراثية والأغاني القديمة. والهوية ليست مجرد صورة: إنما هي أساسا فكر وأسلوب حياة. ويجب إبراز الهوية الطبيعية في صياغة عصرية وواقعية تنعكس في جوانب الحياة كافة.والهوية العربية عموما تتعرض لتحديات وضغوط كبيرة في هذا العصر، كتحدي التغريب الفكري والسلوكي. والهوية الوطنية هي الأخرى تتعرض إلى تحديات كبيرة، كتحدي التفتيت في هويات فرعية.ولا شك أن الشعب السعودي عنده هوية عربية ووطنية عظيمة تستحق الحفاظ عليها. وهي هوية حقيقية وغير 'مختلقة'، نراها ونلمسها في حياتنا اليومية: في العمل وفي الشارع وفي داخل بيوتنا.ومن المهم أن ندرك أن مكونات الهوية السعودية، خاصة في الجانب الاجتماعي والسلوكي، والجذور الفكرية والدينية للهوية السعودية التي يمكن ترجمتها في صياغة عصرية، هي أوسع وأعمق من مكونات الهوية اليابانية التي تمت ترجمتها في صياغة عصرية.كما أن الهوية السعودية وجذورها العربية الإسلامية لها حاضنة واسعة وممتدة في العالمين العربي والإسلامي، وبالتالي يمكن أن تصبح الصياغة العصرية للهوية السعودية نموذجا لغيرنا من الشعوب. وهناك كثير من الشعوب التي تتطلع لما تفعله السعودية: ويكفي أن أكثر من ملياري مسلم يتوجهون خمس مرات في اليوم نحو هذا البلد الكريم.. فالصياغة العصرية للهوية السعودية يمكنها أن تصبح عنصرا أساسيا في 'القوة الناعمة' السعودية.فهي هوية تستحق أن نبرزها للعالم في صياغة عصرية.. ولا شك أنه يمكن تعزيز وإبراز الهوية السعودية في عدة جوانب عصرية:ابتداء بتطوير مناهج التعليم، وتحديث أسلوب الإدارة، واحترام طابع العمارة الأصيلة في تخطيط المدن وبناء المساكن، والمجال الإعلامي، والأعمال الدرامية السينمائية والتلفزيونية، حتى وسائل الترفيه وبرامج الأطفال.هذه كلها - وكثير غيرها - يمكنها أن تكون تعبيرا صادقا وعصريا عن الهوية السعودية، وجزءا أساسيا من عملية التنمية الشاملة: الاجتماعية والتعليمية والثقافية والإدارية والاقتصادية، إلخ.فإبراز الهوية في صيغة عصرية يتطلب جهدا لا يستهان به في مجالات عدة، لكنه جهد لا بد منه للتنمية: بجوانبها كافة، وعنصر أساسي في قوتنا الناعمة، وهو عمل ضروري حتى لا تتسع الفجوة ويزداد التباعد ما بين الأجيال.وما زلنا بانتظار النخب المثقفة والقيادات العلمية حتى تبرز هويتنا في صياغة عصرية راقية.وقد طال الانتظار.