مواجهة سياسة الغدر
الأربعاء / 2 / شعبان / 1447 هـ - 16:22 - الأربعاء 21 يناير 2026 16:22
التاريخ لا يحكي الغدر لأنه حدث، بل لأنه تكرر، ولأن ضحاياه الطيبين وثقوا أكثر مما يجب بمن يرتدون ملابس الإخوة والمحبين والأصدقاء.فمنذ غدر قابيل، ومرورا بما مثلته مسرحية وليم شكسبير والتي واجه فيها القائد يوليوس قيصر خيانة أقرب الناس إليه، لينفجر بعبارة تجاوزت حدود معانيها ومكانها وزمانها: حتى أنت يا بروتس؟!كلمات حزن وندم متأخر، يسبق الموت، لتظل توصيفا خالدا لطبيعة الغدر حين تأتي من قريب، وشريك مؤتمن وهو خسيس، لا من خصم شريف واضح العداء.مشهد عظيم، صور الغدر الأكثر مرارة على القلب، من أنفس دنيئة، وسلوكا منتهزا باجتماع النوايا السيئة، والضعف من المواجهة، يتحرك بطموح مريض، وانتهاز للفرص.وفي الربيع العربي، هزمت دول وانقسمت واحترقت، وتشردت شعوبها غالبا على أيدي إخوة استخدموا الجيرة ستارا، وحولوا الشراكة إلى وسيلة اختراق، والثروات إلى منهب!عواصم سقطت وقام على أشلائها تاريخ شتات يحكي بأن الخيانة كانت أمضى من السيوف، لأن الطمأنينة وزعت بسخاء على من لا يؤمنون إلا بالمصلحة المبنية على تحقيق السقوط والدموية.لقد ضاعت الأندلس تاريخيا، لا لقوة خصومها، بل لأن الداخل تآكل، ولأن بعض القريبين آمنوا أن نجاتهم الفردية أهم من بقاء الكل.وتكرر المشهد اليوم في المشرق العربي، دعم يمنح ليسحب، وعود تقال ليعمل ضدها، وساحات تترك للفوضى تتفجر، وحدود تهدد لا بجيش معلن، بل بقبلات خشم، وابتسامات وكفوف تصافح، وهي أدوات ناعمة تمتلك عناوين التعاون.هذه الوقائع، حين تقرأ تاريخيا تصور سلسلة من حوادث الغدر المتفرقة، وتكشف نمطا واحدا لا يتبدل: خيانة تعجز عن بناء قوتها، إلا بتقويض قوة جيرتها، تظن الغدر دهاء سياسيا، والطعن من الخلف بطولة، وأن التخريب وسيلة لسرقات حلال.نمط لا يعرف الصدق، ولا الشفافية ولا التضحية، ولا يفهم معنى وقيمة الدولة المجاورة، ولا يعيش إلا على فرجة انعدام الردع، وثقة يساء تفسيرها.نمط يحتوي كل الشرور وأعمقها، فيفسر الحلم بأنه نقطة عجز، والكرم بأنه غباء!السعودية، كانت حاضنة لجيرتها، تمارس الحلم والعفو، ولكنها لم تفعل ذلك غفلة، بل ثقة بالنفس، وإيمانا بأن الخير ما زال ديدن الأشقاء الأحبة، وأن الشراكات تختبر بالزمن.لكنها، حين كشفت الخفي، باكتمال صور ما كان يحاك حولها بنفس خبيث، تحركت بغضب دولة شامخة، وتعجبت: حتى أنت يا جار؟!وبحكمتها هضمت الصدمة، وأعادت حساباتها، واستبدلت الحِلم بالحزم.لقد تصرفت المملكة بمنطق الدولة السيدة، لا بمنطق الضعف ولا المجاملة، فأغلقت الثغرات، وحصنت حدودها، وكافحت مصادر الحريق، وأبعدت الخطر عن مناطق سيادتها، وحجمت كل يد كانت تحاول العبث بأمنها واستقرارها ولو بتخطيط يحاك في أعالي البحار.ولم يكن حالها اهتزازا واندفاعا يعمي الأعين، بل قرار محسوب، وتصرف حليم في غضبته يعرف كيف يصلح، وأين يضرب، ومتى يتوقف.وهكذا، لا تنتصر المملكة لأنها الأقوى فحسب، بل لأنها الأوعى، ولأنها تدرك في الوقت المناسب أن الغدر، مهما طال أمد اكتشافه، ينهار لحظة المواجهة، ويعود إلى حقيقته العارية، يصور سلوك ضعفاء، لا يصمد أمام دولة تعرف متى تثق، ومتى تحمي نفسها، ومتى تقول للتاريخ، بثبات: انتهى زمن الطعن من الظهر، يا أيها المحتال!shaheralnahari@