الرأي

اليمن وغضب النار

خالد العويجان
الأوراق لا تنقذ ولا تحمي نفسها، لأنها ضعيفة. تذهب مع مستصغر الشرر، لكنها مهمة. هي من ضمن أهم أساسيات الشهادة على التاريخ، والتاريخ يدون كل شيء. لا يخاف من أحد، ولا يخشى أحدا، ولا يتردد عن كتابة روايات سقوط الأقنعة، وانكشاف الحقائق، وظهور المستور على السطح، وتبخر قصص النضال.تاريخ اليمن يكتب من جديد أنه لم يعد سعيدا، تحول إلى حزين، أصبح يعاني من تغيير موازين ملفاته العالقة. اختلفت قواعد أزماته، اختطفه حوثي مارق، ورهن مراهق سياسي جزءا من خريطته للخارج، بعد أن رأى نفسه زعيما منقذا للبلاد والعباد.كان المخطط الذي رسمته الإمارات، ونفذه عيدروس الزبيدي، يقوم على زرع فتنة تؤدي لاندلاع شقاق حربي، وفرض حالة أمر واقع، تنتهي بسلام مصطنع، يمهد لتصدر طرف للواجهة. والطرف المقصود هنا هو الهارب، الذي سيخول أبو ظبي تحقيق مصالحها وتمدد نفوذها على حساب سيادة الدولة.السؤال: ماذا عن الإنسان اليمني؟ بالنسبة للأول والثاني - أي الزبيدي والإمارات - لا يعني لهما، وليذهب إلى الجحيم. في هذا تأكيد على أن النافذين يبدأون الحرب، ويدفع ثمنها الفقراء أو البسطاء.خال للجميع نجاح أجندات الموت. كانت الرياض بالمرصاد. بهدوء أسقطت مشروعا مسموما يهدف لقيادة اليمن لصراع شعبي مفتوح، تتصدر به رائحة الدم اليمني المسفوك.كل ما سبق ليس نابعا من خيال. فالمعلومات التي وردت من اليمن قبل ساعات، أكدت أكثر من الرؤية التي ذكرتها مسبقا، كيف؟ لقد ثبت ارتكاب الزبيدي بغطاء إماراتي، جرائم انتهاكات وسطو وخطف وقتل وتهجير وتخريب للممتلكات ونهب مقرات الدولة في حضرموت.الحكومة اليمنية أفصحت على لسان عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي، عن وجود تجهيزات وممارسات إماراتية مشبوهة ومستغربة في قاعدة الريان بالمكلا، كوجود متفجرات وأدوات قتل لا تتطابق مع الأهداف المعروفة، التي قام على أساسها تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة، ولا مع مبادئ الأخوة والإسلام والعروبة.هل توقف الأمر عند هذا الحد؟ لا، فقد شكلت المعلومات التي كشف عنها الخنبشي صدمة، تركزت على وجود أدلة تثبت تحويل ذلك المعسكر إلى ثكنة للموت، والاغتيال، ومقر للتخطيط للتفجير بواسطة الهدايا، في صورة من صور الجرائم والانتهاكات التي ينفذها الزبيدي وأزلامه، ومن ورائهم الإمارات، لاستهداف كل من يعارض مخططاتهم، من رجال دولة ومدنيين على حد سواء.برأيي لا يمكن أن يكون كل ما فضحته الحكومة اليمنية الشرعية، من الصواعق المتفجرة، وأجهزة جوال تستخدم في الأشراك الخداعية، بهدف تنفيذ اغتيالات، مرتبطا بالبراءة من قريب أو من بعيد.ثم إن ذلك يعد نسفا للرواية الإماراتية التي ساقتها، وقالت فيها إن التمويل الذي سار مسترقا ظلال الليل، كان موجها لقواتها المتواجدة في اليمن.بزعمي أن الجيوش النظامية لا تسير وفق خطوات ميليشياوية، ولا بمنطق عصابات الموت التي يديرها المرتزقة. ووفقا للمعطيات المتواترة، التي تقطع بما لا يدع للشك مجالا، بأن المواد المستخدمة بذلك المقر هي للقتل، وليس للدفاع عن الشرعية، الذي تزعم الإمارات الانخراط به والالتزام بقوانينه.ما يثير الغرابة في حقيقة الأمر، يدور حول إصرار أبو ظبي على ارتداء قناع وديع، تحاول من خلاله إقناع الرأي العام اليمني والإماراتي والعربي والعالمي بسردية مزيفة، بينما الواقع يشير إلى عكس ذلك.وما يدعو للتهكم، الطريقة التي نفذتها أبو ظبي لتهريب الزبيدي من اليمن، إلى الصومال، وصولا إلى الأراضي الإماراتية. السؤال: هل يتصور من قرر تنفيذ تلك العملية بطريقة بدائية، ألا يمكن كشفها؟ أم أنه فكر فقط بمنع المجرم من الملاحقة القانونية؟ الجواب: أعتقد أن الهدف هو الاحتفاظ به، لعدم فضح أدوارها في اليمن، باعتباره يملك أسرارا تدينها في انتهاكاتها ضد أبناء الجنوب.أتصور أن فتح ملف كهذا، يستدعي ربط التفاصيل بعضها ببعض. سنعود للوراء قليلا. فباليوم ذاته الذي فر به الزبيدي، كان مقررا أن يحط وفد من أبناء الجنوب رحاله في الرياض، لبحث قضيتهم. لم يحضر للمطار وقتها، وقد أعلن مسبقا أنه سيكون ضمن الوفد. إلا أنه خدع الجميع.ولنتذكر أنه عقب تهريبه؛ روجت آلة إعلامية مترهلة ومأجورة، أن السعودية احتجزت الوفد الجنوبي. وذا ذر الرماد في العيون، وتبرير اختطاف الزبيدي، الذي خان وطنه وأضر بالقضية الجنوبية، لتحقيق مصالح شخصية.خلاصة القول: إن انتهاج نشر الفوضى ودعم القتلة في اليمن والسودان وليبيا والصومال، لن يخدم المنطقة ولا دولها؛ لا سيما التي تسير وفق خطط تنموية، وتعمل على بناء نهضة كبرى للأجيال القادمة. وعلى رأسها دول الخليج، التي تحولت إلى ورش عمل بناء وتعمير غير مسبوقة.يجب الرضى والاقتناع بالأقدار والأدوار، والنظر إلى المستقبل، والانخراط في نشر السلام في أرجاء إقليم لطالما نزفت خرائطه، نظير كثير من الجراح على مر العصور الماضية.وإلا الناتج سيكون سخطا بكل مكان وزاوية، في الأزقة والبيوت والشوارع العربية.كما هي حالة اليمن.. الذي يعاني غضب النار.