أبو فراس الحمداني: فارس الشعر وأسير المجد
الثلاثاء / 1 / شعبان / 1447 هـ - 19:41 - الثلاثاء 20 يناير 2026 19:41
في أواسط القرن الرابع الهجري، حين كانت البلاد العربية تموج بالتحولات السياسية وتتنازعها الدول، ولد نجم في سماء الأدب العربي حمل المجد في شق، والجرح في الآخر، هو أبو فراس الحمداني (320–357هـ)، الشاعر الفارس، وابن الإمارة الحمدانية التي ازدهرت في ظلها حلب والموصل، وتألقت فيها الثقافة العربية على يد سيف الدولة وأعلام بلاطه.النسب والنشوء: بين الإمارة والفروسيةاسمه الكامل الحارث بن سعيد بن حمدان التغلبي، ولد في الموصل لأسرة نبيلة ذات بأس وسلطان، هي أسرة بني حمدان الذين أقاموا إمارتهم في شمال العراق وسوريا. نشأ أبو فراس في بيئة يغمرها المجد والسيف، فشب فارسا مقداما، لا يخشى القتال ولا يأنف من الموت في سبيل الكرامة. تلقى علوم العربية والأدب في صباه، ثم قربه ابن عمه سيف الدولة الحمداني، فجعله من خاصته وقادة جنده، وولاه إمارة منبج، فكان حاكما شجاعا وشاعرا مطبوعا، يجمع بين السلطة والقلم، وبين الكرامة والعاطفة.أم كريمة رومية الأصلكانت أمه رومية حرة ذات حسب وجمال وذكاء، أسلمت وتزوجت من الأمير الحمداني، فأنجبت أبا فراس وربته على مكارم الأخلاق ومعاني النبل. كانت تحبه حبا عظيما، فغذته بالحنان كما غذته بالقيم. ولما أسر ابنها في بلاد الروم، كانت تتألم لفراقه وتتمنى رؤيته، ولكنها توفيت وهو ما يزال أسيرا في قلعة خرشنة، فوقع خبر موتها عليه كالصاعقة. فانفجر شعره بالدمع والحنين، ورثاها بقصائد يقطر منها الألم والعجز عن الوداع، إذ يقول في «رومياته»:أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا!الشاعر الفارس والأسير النبيللم يكن أبو فراس شاعر ترف ولا صاحب مديح، بل كان شاعر العزة والمبدأ. خاض معارك ضارية ضد الروم دفاعا عن الإمارة الحمدانية، فأسر في إحدى الوقائع سنة 348هـ، وحمل إلى قلعة خرشنة، فمكث سبع سنين في الأسر. وهنالك ولدت أروع قصائده التي عرفت باسم الروميات، وفيها صور معاني الصبر والكبرياء والحنين، وأطلق كلمته الخالدة:سيذكرني قومي إذا جد جدهموفي الليلة الظلماء يفتقد البدرشاعر العاطفة والكبرياءامتاز شعر أبي فراس بصدق وعذوبة نادرتين، جمع فيه بين رقة الإحساس وعزة النفس. كان ينظم في الغزل والحكمة والرثاء، ولكن نبرة الكرامة تبقى خيطا ناظما لكل شعره. لم يتصنع ولا يتزلف، بل كان شعره صوت نفس حرة تتنفس الإيمان والعزة والألم.النهاية والإرثعاد بعد أسره إلى الموصل، ولكن الخلاف بينه وبين ناصر الدولة الحمداني كان سببا في مقتله سنة 357هـ. رحل وهو في أوج شبابه، وترك ديوانا زاخرا يعد من أجمل ما كتب في الأدب العربي قبل العصر العباسي المتأخر.خلف أبو فراس ديوانا واحدا جمع فيه شعره بعد وفاته، وهو يعرف باسم «ديوان أبي فراس الحمداني»، وقد ضم أشهر قصائده في الغزل والرثاء والحكمة والروميات. أكثر ما يتداول منه نسخة المحقق أحمد صفي النجفي، وأخرى موثقة صدرت عن مجمع اللغة العربية في دمشق.أما المصادر التي تناولت سيرته وأدبه فهي كثيرة، من أبرزها:
- «أبو فراس الحمداني: شاعر الحرب والحب» للدكتور شوقي ضيف.
- «الحياة الشعرية عند أبي فراس» لمحمد مصطفى همام.
- «روميات أبي فراس الحمداني: دراسة في التجربة الإنسانية» للدكتور نازك حسن.
- «الأدب الحمداني بين سيف الدولة وأبي فراس» لمحمد زغلول سلام.