الرأي

الأمن القومي السعودي.. الرياض تغير المعادلة

سعود المشهور
كلما تأملت المشهد الإقليمي في السنوات الأخيرة، ازداد يقيني بأن السعودية لم تعد تتعامل مع الأمن القومي بوصفه مظلة حماية فقط، بل بوصفه مشروعا لإعادة تشكيل الإقليم، لم يعد الأمن مجرد رد فعل على تهديد، بل أصبح قرارا سعوديا واعيا: إما أن نصنع بيئتنا، أو نترك الآخرين يصنعونها لنا.هذا التحول ليس سياسيا فقط، بل شعور نلمسه نحن المواطنون في تفاصيل حياتنا اليومية، ونستعرض من خلال المقال بعض ملامح هذا التحول، ولنبدأ باليمن الذي كان دائما الامتداد الأكثر حساسية للمملكة. لكن ما تغير اليوم هو أن السعودية لم تعد تسمح بأن يتحول اليمن إلى ورقة في يد أي طرف.الرياض انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة صياغة الحل، ومن إدارة الأزمة إلى هندسة الاستقرار، حيث لم يعد مقبولا أن يبقى اليمن ساحة مفتوحة للفوضى، فالرسالة السعودية واضحة: استقرار اليمن ليس خيارا سياسيا، بل ضرورة أمنية، ولن يترك للصدف أو للمغامرين.وفي البحر الأحمر والقرن الأفريقي نلمح التحول، فالبحر الأحمر لم يعد مجرد خط على الخريطة، بل شريان حياة اقتصادي وأمني. ومع اشتداد التنافس الدولي في القرن الأفريقي، تحركت السعودية بثقة: تأسيس مجلس البحر الأحمر، تعزيز العلاقات مع دول المنطقة، ودعم الاستقرار والوحدة السياسية والمكانية في السودان والصومال واليمن بالتعاون مع مصر والأردن وجيبوتي وإريتريا.هذه ليست خطوات بروتوكولية، بل إعلان بأن المملكة لن تسمح لأي قوة - إقليمية أو دولية - بتهديد ممرات الطاقة والتجارة التي يعتمد عليها العالم كله.وفي سوريا كانت عودة السعودية إلى الملف السوري خطوة جريئة، لأنها ببساطة أنهت مرحلة الفراغ العربي. المملكة أدركت أن ترك سوريا لقوى إقليمية أخرى يعني تهديدا طويل المدى، سواء عبر النفوذ العسكري أو عبر تجارة المخدرات التي تحولت إلى خطر أمني مباشر.السعودية لم تعد تكتفي بالمراقبة، لقد عادت إلى الطاولة، وعادت بثقلها، وبفكرة بسيطة وواضحة: الأمن العربي لا يدار من الخارج.وأنتقل لمحور آخر لا يقل أهمية عمن سبقوه وهو إيران، ويعتبر من أكثر الملفات التي تكشف حجم التحول السعودي والدور الذي لعبته المملكة في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مع إيران. في لحظة كان فيها التصعيد خيارا مطروحا لدى أطراف عدة، اختارت الرياض طريقا أصعب: تهدئة التوتر، إعادة العلاقات، وفتح قنوات اتصال لمنع الانفجار، هذا ليس تنازلا، بل حساب استراتيجي، فالمملكة تعرف أن الحرب مع إيران ليست معركة حدود، بل زلزال إقليمي، لذلك كان القرار السعودي واضحا: إطفاء الحرائق قبل أن تشتعل. السعودية اختارت أن تكون قوة استقرار، لا شرارة اشتعال.ونأتي لمحور آخر حيث جاءت الأخبار إن صحت عن انضمام تركيا إلى الاتفاق الدفاعي السعودي-الباكستاني فهو ليس مجرد خبر عابر، بل مؤشر على إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.السعودية تبني اليوم شبكة أمان متعددة الأطراف، تجمع بين القوة العسكرية الباكستانية، والخبرة التركية، والقدرات السعودية المتنامية، هذه ليست تحالفات ظرفية، بل مظلة ردع جديدة تقول بوضوح: الأمن الإقليمي لن يترك للصدف، ولا للفراغات التي تستغلها القوى الطامحة. الأردن، اليمن، ودول البحر الأحمر والخليج العربي وجوارها ليست مجرد جيران، بل جزء من المجال الحيوي السعودي. فأي اضطراب فيها ينعكس علينا، وأي استقرار فيها يعزز استقرارنا. لذلك تتعامل المملكة مع هذه الدول بمنطق الشراكة حينا، والاحتواء حينا آخر، لكن دائما بمنطق حماية المجال الحيوي.ختاما، حين ننظر إلى التحركات السعودية اليوم، نرى بوضوح أن المملكة لم تعد تكتفي بإدارة التهديدات، بل تعمل على صناعة التوازنات فتمنع حربا إقليمية قبل أن تشتعل، وتعيد تشكيل التحالفات الدفاعية لاستعادة التوازن العربي وحماية الممرات البحرية وفرض استقرار في محيط مضطرب، هذه ليست مجرد سياسة خارجية، بل إعلان بأن السعودية تكتب قواعد اللعبة، ولا تنتظر أن تكتب لها.