السيف البتار لتشريح تهريب الثعلب المكار
الاثنين / 30 / رجب / 1447 هـ - 22:05 - الاثنين 19 يناير 2026 22:05
في زمن السياسة المعاصرة، لم تعد قراءة الأسماء كافية لفهم المشهد، فالأحداث لم تعد تدار بالوضوح، بل تنسج بخيوط الخديعة، وتغذى بالأموال، وتلمع بـ«ورنيش» الأوهام.تختلط المفاهيم، وتصدأ الموازين، وتقلب المعاني، حتى يصبح الباطل مشروعا، والخيانة خطابا، والانتهازية بطولة.في هذا السياق، لا يبدو عيدروس الزبيدي حالة استثنائية، بل نموذج صارخ لشخصية صعدت بلا رصيد أخلاقي أو مشروع وطني، مدفوعة برغبتها المطلقة في السلطة، وقابليتها الكاملة للتحول إلى أداة بيد من يدفع أكثر.لم يصل إلى موقع التأثير لأنه حمل هم اليمن، ولا لأنه امتلك رؤية جامعة للشعب اليمني، بل لأنه قبل أن يكون وسيطا مطيعا في مشروع خارجي خبيث أكبر من فكره، فأغري بالمال والمكانة، ووعد بدور صنع له ليؤديه بلا سؤال.هكذا تبدأ حكاية «الثعلب المكار»: وعود بالتمكين، وخزائن مفتوحة، وبطولات مصنعة في غرف مغلقة، مقابل شرط واحد للتنفيذ، ببيع الذات، وتسييل الانتماء، والمضي في مسار تفكيك الجنوب اليمني من عدن وسقطرى وصولا بالطموح المريض إلى حضرموت.ثعلب لم يكن صعوده نتاج أمانة أو نضال أو إجماع، بل صفقة محسوبة، عرفت الجهة الداعمة كيف تخفض كلفتها، وتعمي بصيرتها، وتحول ضعف شخصيته إلى ذراع تنفيذ بلا عقل ولا أخلاق.كان اختياره مرتبطا بقدرته على تنفيذ مسار انحداري واضح: تفتيت الجنوب باسم «القضية»، وتمزيق النسيج الاجتماعي تحت شعار «الاستقلال»، ومحاولة تحويل حضرموت، بثقلها التاريخي والجغرافي، إلى ساحة حراج مفتوحة لمرتزقة لا يرون فيها سوى سوق سوداء لبيع مقدرات الوطن، وكأنه المالك الوحيد لذلك!وفي عمق المفارقة، ظن نفسه لاعبا كبيرا، وهو لا يعدو كونه أداة تخريب تساق، وثعلبا تضحك عليه السياسة سخرية، لرخص المنتوج وتدني الصفات.غرير نال الثراء والنفوذ، فاستبدل الكرامة بالامتيازات الوقتية، والهوية بالوثيقة، وصنع لنفسه إمبراطورية من ورق لا تنتج إلا الحرائق، ولا تتقن إلا التجسس، وتدوير الخيانات على محيط الدائرة.ثم جاءت لحظة القوة السعودية والحقيقة والعري، فهرب مرتبكا نافذا بجلده وليكشف هشاشة الصورة، وضعف المحفز، بعد سقوط الأقنعة.مشهد أريد له أن يبدو بطوليا، فانتهى كاريكاتيرا رديء الإخراج، بمسار خوف بالتخفي، والشوشرة على المسار، بين قدم وسيارة وبحر وطائرة، وأوراق عزة وأهمية تتناثر فوق المحيط.الأشد مرارة في هذا الهروب ليس الفعل بذاته، بل دلالته المستقبلية، فمن باع نفسه مرة، سيبيع نفسه مجددا، ويبيع غيره مرات على قدر الثمن.ومن ارتضى أن يكون أداة بيد الغدر، لن يتردد في طعن كل ما حوله لحماية بقايا أوهامه.السياسة المشتراة بالذل لا تثبت، والتاريخ الكاشف لا يرحم؛ ومن اعتاد الخيانة، سرعان ما ينقلب على شركائه، مهما حصنوا خوفه بقصور زجاجية تزيده تعرضا للاختراق والتجسس، ودخول أوهام حكايات ذل ملمعة.نهايات مكر الثعالب متشابهة، وهي عبرة لمن ينسى التاريخ، وينسى قدر نفسه الحقيقي، ويظل يحلم ببطولة زائفة لا تكون.فالأوطان لا تدار بذيول الثعالب، والإمبراطوريات الورقية لا تصمد أمام شعلة الحقائق؛ وسرعان ما تنقلب النوايا والاحتياجات، وتعود المكائد إلى نحور أصحابها، وتترمد الممالك الورقية التعيسة تحت ثقل أقدام خياناتها.shaheralnahari@