العلاقة بين الجامعة وسوق العمل في ضوء تجربة التدريب التعاوني
الاثنين / 30 / رجب / 1447 هـ - 04:21 - الاثنين 19 يناير 2026 04:21
كل برنامج جامعي يحمل وعدا ضمنيا: أن ما يدرّس في القاعات سينتهي بقدرة حقيقية على العمل في الواقع، وهذا الوعد غير مكتوب في لوائح القبول، لكنه حاضر في وعي الطالب، وفي قرار الأسرة، وفي ثقة المجتمع بالمؤسسة التعليمية، ويفترض أن يكون التدريب التعاوني هو المرحلة التي يختبر فيها هذا الوعد اختبارا عمليا مباشرا، باعتباره نقطة الالتقاء بين المعرفة الأكاديمية وسوق العمل.ومن حيث موقعه في الخطة الدراسية، لا يعد التدريب التعاوني مقررا تقليديا، بل انتقال من منطق التعليم إلى منطق الممارسة، فهو فصل دراسي كامل يفترض أن يدار بمنهجية دقيقة، لأنه يحمل وزنا زمنيا وأكاديميا يعادل أي مقرر أساسي، وحين يدرج هذا الفصل من دون بنية مؤسسية متكاملة، يصبح عبئا تنظيميا، وتتحول وظيفته من بناء الكفاءة إلى استهلاك الزمن.وفي هذه اللحظة، ينقل العبء من المؤسسة إلى الطالب، فبدل أن تكون الجامعة هي من تخطط وتنسق وتوزع الفرص، يطلب من الطالب أن يبحث بنفسه عن جهة تدريب، في سوق غير متكافئ، وضمن وقت محدود، ومن دون معايير واضحة للاعتماد أو الجودة، ومع هذا التحول تدخل الأسرة طرفا غير معلن في معادلة أكاديمية كان يفترض أن تدار بالكامل داخل النظام التعليمي.وغياب الإطار المؤسسي يفتح الباب لاختلالات أعمق، فالوصول إلى فرص التدريب لم يعد مرتبطا بملاءمة التخصص أو مستوى الطالب، بل بعوامل خارج المنهج: القدرة على الوصول، القرب الاجتماعي، أو المصادفة، وفي هذا السياق يفقد التدريب التعاوني دوره كأداة عدالة تعليمية، ويتحول إلى مساحة غير منضبطة، تتفاوت فيها التجارب تفاوتا لا يمكن تبريره أكاديميا.وهنا تتضح خطورة هذا الوضع في تخصصات الحاسب الآلي وتقنية المعلومات، فهذه المجالات لا تبنى بالمتابعة الشكلية، ولا تختبر بالوجود الإداري، فالمهارة فيها نتاج بيئات عمل حقيقية: مشاريع قائمة، فرق تقنية، أدوات احترافية، وضغط إنجاز فعلي، وحين يقضي الطالب فصله التدريبي في جهة لا تمارس هذا النوع من العمل، فإنه يخرج وقد استوفى المتطلب الورقي، من دون أن يكتسب القيمة المهنية التي وضع التدريب من أجلها.ولا يقتصر الأثر هنا على تجربة فردية، والجامعة تجد نفسها أمام فجوة بين مخرجاتها المعلنة ومستوى خريجيها الفعلي، وسوق العمل يواجه خريجين يحتاجون إلى إعادة تدريب، والمجتمع يتحمل كلفة زمنية واقتصادية لتصحيح مسار كان يمكن ضبطه مسبقا، وفي هذه السلسلة يصبح التدريب التعاوني مؤشرا دقيقا على جودة العلاقة بين الجامعة والاقتصاد.والمشكلة في جوهرها فلسفية قبل أن تكون إجرائية، والعلاقة الصحية بين الجامعة وسوق العمل تقوم على الشراكات المسبقة، لا على الإحالات المتأخرة، وشراكة تعني اتفاقيات فاعلة، ومعايير اعتماد صارمة، وتوزيعا منظما للفرص، وإشرافا أكاديميا يتابع ما يتعلمه الطالب فعلا، لا ما يكتبه في تقريره النهائي.إن إعادة بناء تجربة التدريب التعاوني تمثل مدخلا حاسما لإصلاح هذه العلاقة، فحين تتحمل الجامعة مسؤوليتها كاملة، يتحول التدريب إلى مساحة تعلم حقيقية، ويستعيد الطالب ثقته، وتطمئن الأسرة إلى المسار، ويحصل سوق العمل على خريج أقرب إلى الجاهزية، أما ترك هذا الفصل الحاسم بلا فلسفة واضحة، فيعني أن وعد التعليم يبقى معلقا، وأن الفجوة بين الجامعة وسوق العمل ستتسع بدل أن تردم.