الرأي

لماذا لا يكفي الحب في تربية الأبناء؟

باسم سلامه القليطي
لا تتغير مصائر الأسر، في الغالب، عبر قرارات كبرى أو لحظات درامية فاصلة، بل عبر تحولات دقيقة في الفهم. إدراك واحد يصل في توقيته، فيعيد ترتيب العلاقة بين الوالد والطفل، ويخفف من أعباء نفسية ستظهر لاحقا بأشكال مختلفة. هذا المقال لا يكتب للاحتجاج على أنماط التربية، ولا لمخاصمة جيل سابق، بل لمحاولة تفكيك المسافة الصامتة بين الحب بوصفه شعورا، والتربية بوصفها ممارسة يومية لها تبعات طويلة الأمد.في كثير من البيوت، لا يمكن التشكيك في صدق المحبة أو حجم التضحيات. الآباء يعملون، ويجتهدون، ويوفرون ما يستطيعون، ويؤمنون بأن التعليم الجيد والانضباط الصارم كفيلان بإعداد الأبناء للحياة. غير أن التجربة النفسية تظهر أن الطفل لا يتشكل فقط بما يمنح له ماديا، بل بما يسمح له أن يشعر به. فالبيت الآمن نفسيا لا يقوم على غياب الخطأ، بل على غياب الخوف من الخطأ، وعلى يقين داخلي بأن الفشل لا يسقط القبول.تقول الكاتبة التربوية (بيجي أومارا) «الطريقة التي نتحدث بها مع أبنائنا تصبح هي صوتهم الداخلي».كثير من السلوكيات الطفولية التي تقرأ بوصفها تمردا أو سوء تربية، يمكن فهمها باعتبارها محاولات تواصل غير ناضجة. الطفل لا يمتلك اللغة اللازمة لتوصيف قلقه أو ارتباكه، فيعبر عنهما سلوكا. وحين يقابل هذا السلوك بالتقويم الفوري أو العقاب وحده، تتعمق الفجوة بدل أن تردم. الإصغاء هنا لا يعني التساهل، بل يعني قراءة ما وراء الفعل، والتعامل مع الرسالة لا مع عرضها فقط.وتظهر دراسات التربية والسلوك أن الأطفال لا يتأثرون بما يقال لهم بقدر ما يتأثرون بما يشاهدونه متكررا. فالقدوة المتناقضة تربك، والرسائل المزدوجة تضعف الثقة. الطفل يتعلم الصدق من الممارسة، والاحترام من الطريقة، وضبط النفس من النموذج لا من التعليمات. كما أن غياب الحدود الواضحة لا ينتج حرية صحية، بل ارتباكا طويل الأمد، إذ يحتاج الطفل إلى إطار يعرف من خلاله أين يقف، وكيف يتصرف، وما الذي يمكن توقعه.في العمق، يحتاج الطفل إلى الإحساس بقيمته الإنسانية قبل أي شيء آخر. لا بوصفه مشروع نجاح عائلي، ولا امتدادا لصورة اجتماعية مرغوبة، بل كذات مستقلة تستحق الاحترام. كثير من الاضطرابات النفسية لدى البالغين يمكن تتبع جذورها إلى طفولة ارتبط فيها القبول بالإنجاز، والحب بالمقارنة، والتقدير بتحقيق التوقعات. حين يصبح الحب مشروطا، ينشأ صراع داخلي مبكر، يستمر حتى في لحظات النجاح الظاهري.قد تبدو هذه الحقائق مألوفة، لكنها تظل عصية على التطبيق، لأنها تتطلب مراجعة صادقة لما ورثه الآباء من أنماط تربوية، لا لما يمارسونه فقط. التحول الحقيقي يبدأ حين يختار أحد أفراد الأسرة أن يغير زاوية النظر: أن يفهم قبل أن يحكم، ويصغي قبل أن يقوم، ويعيد النظر في أدواته بدل الاكتفاء بتغيير سلوك الطفل. في مثل هذه اللحظات الصامتة، قد يعاد توجيه مسار حياة كاملة، دون ضجيج، ودون أن يلاحظ أحد حجم الأثر الذي بدأ من فهم واحد وصل في وقته.