الرأي

التوأم الرقمي الحضري - المدينة التي ترى نفسها لحظة بلحظة

وليد سعد الشهري
المدن تتغير في كل لحظة، لكن وتيرة هذا التغيير لم تعد كما كانت. ما كان يحتاج عقودا من الملاحظة، بات اليوم يحدث خلال ساعات، وأحيانا خلال دقائق معدودة. الحركة التي كانت تقاس بالأيام أصبحت تقرأ بالثواني، والقرارات التي كانت تنتظر اجتماعات مطولة باتت تتخذ بمجرد النظر إلى شاشة واحدة تختصر المشهد كله. وفي قلب هذا التحول ولد أحد أهم ابتكارات المدن الحديثة: التوأم الرقمي الحضري، النموذج الذي منح المدن لأول مرة القدرة على «رؤية نفسها» حية، نابضة، ومتجددة.التوأم الرقمي ليس مجسما ثلاثي الأبعاد كما قد يظن، بل هو عقل حضري افتراضي يعكس الماضي، وينقل الحاضر كما هو، ويستشرف المستقبل. إنه نموذج ديناميكي يمزج بين البيانات المكانية، والحركة البشرية، والسلوك الحضري، والبنى التحتية، ليخلق صورة مكتملة للمدينة. تغير بسيط في حركة مركبة داخل شارع جانبي يمكن أن يحدث فرقا في قراءة المشهد كله، وهذا الفرق يظهر فورا داخل التوأم الرقمي، مانحا المدينة فرصة لإعادة تفسير ذاتها.والفكرة في جوهرها تعتمد على مبدأ «التوأم الفكري» IDT الذي يوضح أن الأشياء لا تعمل منفصلة، بل يجب أن تقرأ مترابطة. كما أن الكتاب يحتاج توأما فكريا ينسج فصوله، تحتاج المدينة إلى توأم رقمي يربط واقعها بمستقبلها، ويحول البيانات إلى «وعي حضري» يرى ما وراء الحركة، ويكشف المنطق الخفي لسلوك السكان.ولكي نفهم معنى أن «ترى المدينة نفسها»، يكفي أن نتأمل مشهد ازدحام يتشكل فجأة قرب مركز تجاري كبير. في الماضي، كان تفسير هذا المشهد يحتاج جهدا ميدانيا طويلا، وكثيرا من الوقت لتمحيص التقارير. أما اليوم، في مدينة تمتلك توأما رقميا، تظهر الإشارة على الخريطة خلال ثوان، مع تحليل فوري للسبب، واقتراح المسارات البديلة، وتوقع الزمن اللازم لعودة الحركة إلى وضعها الطبيعي. ما كان يستنزف ساعات من التعطل والارتباك، أصبح يعالج الآن في لحظات. ولهذا ينظر إلى التوأم الرقمي بوصفه «حاسة البصر» الجديدة للمدن الذكية.لكن هذا العقل الافتراضي لا يعمل بمعزل عن «المكان الحقيقي». ولكي يكون التوأم الرقمي دقيقا وموثوقا، يحتاج إلى مرجع مكاني وطني موحد، وهنا تبرز الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية GEOSA. فهي الجهة التي تبني البنية الجيومكانية الوطنية NGI، وتوحد المعايير، وتوفر الخرائط الأساسية، وتضمن دقة البيانات التي تغذي التوأم الرقمي.وببساطة: لا يمكن للتوأم الرقمي أن يعمل إذا لم تكن بياناته دقيقة، وسيادية، ومحدثة. والتوأم الرقمي ليس متفرجا، بل فاعل في اتخاذ القرار. فهو يحاكي كل سيناريو محتمل: إغلاق طريق، وافتتاح مستشفى، ونقل مدرسة، وإنشاء نفق أو جسر جديد، أو حتى تغيير بسيط في اتجاه مسار حيوي.في السابق، كانت هذه السيناريوهات تعتمد على التخمين أو النماذج الرياضية الجامدة. اليوم، المدينة نفسها هي التي تجيب، لأن التوأم الرقمي مبني على بيانات حقيقية وموحدة، البيانات التي توفرها GEOSA وتضمن جودتها.وتتجلى قوة التوأم الرقمي في قدرته على دمج جميع طبقات الحياة الحضرية داخل نموذج واحد: الطرق، الخدمات، الطاقة، المياه، المستشفيات، المدارس، الأسواق، إضافة إلى أنماط الحركة البشرية، والاختناقات، والممرات الحساسة. وهكذا، ينشأ ما يشبه «مدينة ثانية» موازية للمدينة الحقيقية، لكنها أكثر وضوحا ودقة وقدرة على كشف الأخطاء.وليس هذا فقط. فالتوأم الرقمي يقرأ السلوك والقيم، وهو ما توضحه المعادلة الفكرية WQ (البيانات × المكان × السلوك × القيم = القرار). فهو يرى أين تتحقق العدالة الحضرية، وأين تتراجع؛ أي الأحياء أكثر إنصافا في خدماتها؛ وأي المسارات ترهق السكان؛ وما المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل.هذه القدرة على الفهم العميق تجعل من التوأم الرقمي أداة لصناعة قرار حضري رشيد، وليس مجرد شاشة عرض.مع امتلاك المدينة القدرة على رؤية نفسها لحظة بلحظة، يصبح دور القائد الحضري أكثر دقة ومسؤولية. فلم يعد القرار الحضري مبنيا على الحدس أو الانطباع، بل على «صورة مكانية كاملة». تستطيع المدينة أن ترفع جودة الحياة، وتخفض وقت التنقل، وتعزز السلامة، وتمنع الانهيارات، وتتنبأ بالأعطال، وتستعد للأزمات، وكل ذلك يعتمد على قوة البيانات المكانية التي تقف خلفها GEOSA.إن التوأم الرقمي ليس رفاهية، بل شرط أساسي لبناء مدن ذكية تحقق تطلعات رؤية 2030. إنه الأداة التي تجعل المدينة تتعلم، وتتكيف، وتنمو بوعي. إنها المدينة التي لا تعيش يومها فقط، بل ترى غدها وتعيد تشكيله.في المقال القادم، سنغوص في جوهر هذا التحول: من الملاحظة إلى التنبؤ - كيف تجعل النماذج الجيومكانية حركة المدن قابلة للتوقع قبل أن تتشكل؟EngWalid67@