سقوط النظام الإيراني أخطر مما يظن البعض
الاثنين / 30 / رجب / 1447 هـ - 04:12 - الاثنين 19 يناير 2026 04:12
في النقاشات السياسية السائدة في واشنطن وبعض العواصم الغربية يقدم «إسقاط النظام الإيراني» بوصفه حلا سحريا لمشكلات الشرق الأوسط، وكأن طهران هي العقدة الوحيدة التي إذا انفرطت انفرج عقد المنطقة بأكملها. لكن هذا التصور، عند فحصه من زاوية دول الخليج والأمن الإقليمي، يبدو أقرب إلى مغامرة عالية الكلفة والمخاطر، بل وقد يكون أكثر تهديدا للاستقرار من استمرار النظام نفسه بصيغته الحالية. فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن يمر سقوط نظامها بلا ارتدادات، بل هي دولة محورية جغرافيا، سكانيا، ومذهبيا، وأي فراغ في مركزها السياسي ستكون له موجات زلزالية تمتد من مضيق هرمز إلى المتوسط.أول أخطار إسقاط النظام الإيراني يتمثل في احتمال تفكك الدولة نفسها. إيران ليست كتلة قومية متجانسة؛ فهي تضم أذريين، أكرادا، عربا، بلوشا، فرسا، وتركمانا، وكل واحدة من هذه الجماعات لديها مظالم تاريخية وقابلية لأن تتحول إلى مشروع انفصالي إذا انهار المركز. في ظل نظام قوي، حتى لو كان سلطويا، تبقى هذه التناقضات مكبوتة داخل الدولة. أما في سيناريو سقوط مفاجئ للنظام، فستتحول إيران إلى ما يشبه «يوغوسلافيا شرق أوسطية»، تتنازعها الحروب الأهلية والميليشيات العابرة للحدود. هذا التفكك لن يبقى داخل إيران، بل سيتسرب مباشرة إلى العراق، وتركيا، وباكستان، والخليج، عبر موجات لاجئين، وتسلل جماعات مسلحة، وتحول الحدود الطويلة إلى خطوط فوضى مفتوحة.ثاني المخاطر يتمثل في الفراغ الأمني حول الخليج نفسه. إيران تملك واحدة من أكبر الترسانات العسكرية غير النووية في المنطقة، وشبكة واسعة من الحرس الثوري، والميليشيات، والقدرات البحرية في الخليج وبحر عمان. في حالة انهيار النظام، لن تختفي هذه القوى فجأة، بل ستتحول إلى فصائل متصارعة، بعضها سيبحث عن تمويل عبر تهريب السلاح والمخدرات والنفط، وبعضها قد يتحول إلى قوى قرصنة بحرية أو إرهابية. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، قد يتحول من نقطة توتر سياسية إلى ساحة حرب مفتوحة بين أمراء حرب، ما يجعل أمن الطاقة الخليجي والعالمي رهينة فوضى لا يمكن ضبطها.الخطر الثالث يرتبط مباشرة بالدول الخليجية نفسها. كثير من دول الخليج تضم أقليات شيعية أو مجتمعات ذات روابط مذهبية وثقافية مع إيران. في ظل نظام إيراني مركزي، مهما كانت سياساته، تبقى العلاقة في إطار دولة لدولة، ويمكن احتواؤها. أما في حال انهيار النظام، فستظهر قوى إيرانية متعددة، بعضها قد يحاول تصدير أزمته الداخلية عبر إشعال توترات طائفية في البحرين أو شرق السعودية أو الكويت أو حتى داخل العراق. عندها لن يكون التهديد دولة يمكن التفاوض معها أو ردعها، بل شبكة فوضوية من الفاعلين غير الدوليين، وهو أسوأ سيناريو أمني لأي دولة مستقرة.ثم هناك البعد العراقي، الذي يمثل الخاصرة الرخوة للخليج. العراق اليوم، رغم هشاشته، يعيش توازنا دقيقا بين النفوذ الإيراني والأميركي والعربي. سقوط النظام في طهران سيهز هذا التوازن جذريا. الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران قد تنقسم، بعضها سيبحث عن استقلالية مالية وسياسية، وبعضها قد يتحول إلى قوى خارجة عن السيطرة، ما يعيد العراق إلى نموذج «الدولة الفاشلة» في نسخة أكثر تسليحا وخطورة. ومن العراق ستتدفق هذه الفوضى باتجاه الحدود السعودية والكويتية، ومعها تهريب السلاح والمخدرات والتنظيمات الراديكالية.اقتصاديا، فإن انهيار إيران لن يكون نعمة للخليج كما يتصور البعض. صحيح أن إيران منافس نفطي، لكن سقوطها في فوضى سيؤدي إلى ارتفاع حاد وغير مستقر في أسعار الطاقة، ما يربك أسواق الخليج ويضرب خطط التنويع الاقتصادي والاستثمار طويل المدى. المستثمرون العالميون لا يهربون من الدول المنهارة فقط، بل من المناطق المحيطة بها أيضا. وجود «سوريا كبرى» على حدود الخليج الشمالية سيجعل أي مشروع تنموي طويل الأجل أكثر مخاطرة، ويزيد كلفة التأمين والنقل والطاقة، ويقوض الرؤية الخليجية للاستقرار الاقتصادي.الأخطر من ذلك كله هو أن إسقاط النظام الإيراني لا يعني بالضرورة قيام نظام ديمقراطي صديق للغرب أو للخليج. التجربة التاريخية في المنطقة، من العراق إلى ليبيا، تظهر أن إسقاط الأنظمة بالقوة غالبا ما يفتح الباب أمام قوى أكثر تطرفا أو أقل قابلية للتفاهم. إيران ما بعد سقوط النظام قد تنتج نسخة قومية متطرفة، أو نسخة دينية أشد راديكالية، أو خليطا من الاثنين، وكلها قد تكون أكثر عداء للخليج لأنها ستبحث عن شرعية داخلية عبر تصعيد الصراع الخارجي.من منظور خليجي بارد وحسابي، فإن المشكلة مع إيران ليست وجود الدولة الإيرانية، بل سلوك النظام وسياساته الإقليمية. والفرق بين الأمرين جوهري. الضغط على النظام، احتواؤه، ردعه، والتفاوض معه عند الضرورة، كلها أدوات خطرة لكنها قابلة للإدارة. أما تفكيك الدولة الإيرانية نفسها فهو مقامرة تفتح أبواب الجحيم الجيوسياسي على منطقة هي أصلا واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.لهذا فإن أخطر سيناريو على دول الخليج ليس بقاء النظام الإيراني كما هو، بل سقوطه بطريقة فوضوية وغير مضبوطة. فالاستقرار النسبي لخصم معروف يمكن التعامل معه، حتى لو كان عدائيا، يظل أقل خطورة من انهيار دولة مركزية كبرى تتحول إلى مصدر دائم للفوضى، والتطرف، والابتزاز الأمني. في الجغرافيا السياسية، أحيانا يكون «الشر المعروف» أقل كلفة من «المجهول المنفلت»، وإيران هي المثال الأوضح على هذه القاعدة القاسية.MBNwaiser@