الرأي

قراءة في "أخبروهم أنها هنا، بحثا عن ملكة مليحة"

هتون أجواد الفاسي
كتاب ملفت منذ صفحاته الأولى بانسياب لغته وأفكاره وبعده الروحاني على الرغم من توقعي بقراءة كتاب في تاريخ الملكات، لكنه كان في سبر ذاكرة التاريخ والطبيعة وما وراء الطبيعة والنفس والروح. والملكة التي تبحث عنها 'بدور سلطان القاسمي' هي ملكة مليحة، المدينة التاريخية في إمارة الشارقة اليوم وتعود ملكاتها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، مع ملكات أخريات في مدن أخرى من شرق الجزيرة، وإن كان تأريخ مليحة يعود لأقدم من هذا كما غالبية المواقع التاريخية في الإمارات وعمان والتي تعود إلى فترة مملكة ماجان في الألف الثاني قبل الميلاد. وهي فترة تلتقي فيها مدن هذه الإمارة القديمة بمدن الجزيرة العربية الأخرى كددان والحجر في الشمال الغربي، وبلاد سبأ ومعين في الجنوب، وثاج وهجر في شرقها.

دوما ما تشدنا اللغة القوية والمفردات المحكمة في موقعها المناسب بجزالتها، وهنا نجدها متقنة برقة وتمكن. ولعل أكثر ما لفتني كان سرد الكاتبة لتجاربها الروحية مع عدد من استكشافات الطبيعة، من بينها صعود جبل كلمنجارو، حيث استوقفتني جملة 'تواضعت أمام الجبل' وعند الوصول للقمة 'غمرني الفخر، نعم، سكنني الفرح، لكن ما اجتاحني أكثر من ذلك كله كان شعورا عميقا بالصغر. صغر شديد'. وعند النزول 'رأيت بصفاء ما يجب أن يتغير في حياتي - ما ينبغي تركه وما يستحق البقاء وما يجب أن أحفظه عميقا في القلب'. كانت في حوار مستمر مع الجبل وما تعنيه محاولة الوصول إلى القمة، الحوار مع الذات.. التأمل.. الصمت.. الإصغاء.. التطهير.. الولادة الثانية كما تقول. هنا يشعر الإنسان أنه نجح في تحدي نفسه، لكنه في الواقع نجح في اكتشاف مدى هشاشته وعظمة الخالق. 'كل نفس وكل إحساس هو هبة ربانية تنتظر أن تستقبل بالامتنان'. ثم تنهي حوارها بجملة 'علمني هذا الجبل كيف أنصت، كيف أتنفس، كيف أستسلم. كيف أتغير'.

هذا قبل أن نصل إلى قصة الملكة المفقودة في المقبرة التي اكتشفتها الكاتبة في إحدى مغامراتها في منطقة كلباء، التي لم تسفر عن شيء مادي سوى اكتشافها لبعد آخر من الذات.

لكن جزئية فصلها الثالث التي غاصت فيها في أعماق نفسها، كانت الأكثر تأثيرا في وجهة نظري. فكامل الكتاب حتى الآن يتناول القصص والاكتشافات بعمق وروحانية، لكن في رؤيتها لجداتها وأمهاتها وسلالتها من الأمهات وحفرها عميقا في دلالة هذه الرسالة إليها والتي تدور حول الإصغاء إلى قصصهن ومعاناتهن القديمة شيئا فريدا. كانت الرؤى والأحلام عالما آخر من الروحانية والغيبية بتفسيراتها وحيواتها وخطاباتها وإلهاماتها. عادة، من يخوض تجربة الرؤى التي تقع بين عالمي الحاضر والغيب أو الأموات في برزخهم فيعني أن روح هذا الشخص شفافة تجعله أو تجعلها تصل لمخاطبة هذا العالم والتواصل معه لا سيما عندما يكون جدات وأجدادا. كان حلمها/رؤيتها لنفسها مع أمها جواهر، جداتها القريبات والبعيدات، حصة، ميرة، ومهرة اللاتي اجتمعت بهن على طاولة مستديرة تشي بحفرها عميقا في ذاكرتها وربما بالفعل نجحت في الوصول إلى الغائبات واستقبال رسائلهن ودعواتهن لها بأن تكمل مسيرتهن وتحكي قصصهن وترفع راية ذكراهن. كامتداد حي لمن سبقنا.

لفتني أيضا بوح بدور بالكثير من قصصها الشخصية ومنها قصة ممارستها للشفاء من اضطراب واستئصال لغدتها الدرقية، والتي تلقتها وعبرتها عن طريق الكتابة.

تنتقل بدور من مدينة إلى أخرى وقصة إلى الثانية وشيء ما يربط بينهم. ويصيبني الكتاب بالعدوى وأشعر بأن لغتي تنساق وراء رقة الاختيارات للمفردات ودقتها ودلالتها. كثيرة هي التعبيرات البليغة والتوصيفات الجميلة والمعاني المتدفقة، منها 'الصحراء لا تنسى بناتها. إنها تتوجهن بضوء النجوم، وتدعوهن للعودة'.

في وصفها لمحراب مسجد الملكة أروى الصليحية في جبلة باليمن تقول 'أما المحراب، المزدان بخط كوفي صارم والمعلقة عليه آيات التسليم واليقين، فيطل نحو القبلة كخطبة صامتة تنتظر أن تسمع'.

فالكتاب مثير للاهتمام في موضوعه ولغته وطريقة سرده. ممتع وعميق في طروحاته. كانت هناك جرأة في طرح كثير من القراءات الخاصة للسرديات التاريخية بحثا عن الملكات كما أعلنت عنها منذ البداية. وهو بحث أجد نفسي أشترك معها في كثير من مناحيه وفي دراساتي التي قمت بها في تتبع ملكات العرب حينا وملكات الأنباط حينا آخر، ثم كاهنات العرب شطرا وقديساتهن آخر، لكن ملكات مليحة هن من كن غائبات عني وسعدت باكتشافهن مع اكتشافات بدور، ومع وصول الحديث إلى مقالة أبيئيل الخاصة بمايكل دونالد، كنت قد وصلت لها أيضا وأنا أتوقف بين حين وصفحة وأراجع المعلومات الواردة في 'أخبروهم أنها هنا'، ومن ثم تتبعت مسار بدور الذي لم يختلف عني كثيرا سوى أنها أوصلته بزيارة عملية للباحث الإنجليزي في عقر داره لتصل إلى المزيد من التفصيلات الخاصة بملكات شرق الجزيرة وملكة مليحة أبيئيل بنت باجلان على وجه التحديد.

تتنقل بدور في روايتها لمسيرتها في البحث عن ملكات مليحة ما بين الأثر والنقش، بين الجبل والصحراء، القمر والنجوم، تستدعي كل دقائق الطبيعة وما يمكن أن تتلقاه من إشارات في طريقها. تستدعي الحيوان والطير بكل أبعادهم الرمزية والأسطورية في محاولة قراءة هذه الرسائل بل وتنغمس في تجارب الصحراء لعلها تصل إليها بشكل مباشر. لكن تركيزها المستمر كان في التواصل مع الأجداد، الجدات، الأسلاف، والذي انتهى بها للبحث في داخلها عن كل تساؤلاتها. من أقوى الوقفات كان شعورها بأنها وصلت إلى نقطة تغيير الجلد والاتحاد مع الأرض والوصول إلى مكنونها وسر من مر عليها وسكن داخلها، تعد هذه اللحظة كشفا نورانيا واتصالا بالجذور والذاكرة المتراكمة. تسميها بدور رحلتها الذاتية ورحلة كل امرأة مشت على هذه الأرض.

تتفكر عبر كتابها في معان روحية مهمة تخص الإيمان والتسليم، وحكم يتوارثها أولو العلم وتجدها متمثلة في مقامات الصبر والثقة والبقاء والمحبة. ولعل معنى الحب يستمر معها لتختم به هذه الرحلة كرسالة توجهها إليها ملكة مليحة بنفسها.

واقتباساتها لابن الرومي، حافظ الشيرازي وابن عربي لا تفتأ تأسر بانسيابيتها وموافقتها لسردية الرحلة.

من الحكم التي شاركتنا إياها قولها 'يقول العارفون إن الحقيقة تتجلى بوجوه شتى، وليس دائما عبر الكتب أو الأطلال، بل فيما نحمله في أجسادنا وفيما تكشفه لنا الأرض حين نبطئ لنصغي. فالأمر ليس في مطاردة الرؤى بل في الانتباه، في التنفس، في الإصغاء، في فعل الجلوس ببساطة حتى يتبدد الضجيج'، ولعله هذا ما كان دليلها عبر الرحلة لتطور قدراتها على الإصغاء والإنصات ومحاولة فهم صمت الصحراء والبحار والسماء.

وفي تمجيدها للصحراء تقول 'إن الصحراء ليست ربعا خاليا، بل مكتبة حية'. واقتبست قول أنطوان دو سانت إكزوبيري على لسان الأمير الصغير من التراث الأمازيغي 'يجلس المرء فوق كثيب من رمالها، فلا يرى شيئا ولا يسمع شيئا. غير أن شيئا ما يخفق في الصمت.. ويتوهج..'.

وربما أحد الأشياء التي خرجت بها بدور من هذه التجربة وتدعو إليه المرأة العربية، هو الانعتاق من طبقات التلقين الاجتماعي بأن: تتوقف عن انتظار الإذن، التوقف عن طلب التزكية، والتوقف عن أداء أدوار لم تكن يوما لأحد منا، وهي المعاني التي توقفت عندها بدور لتعيش بصدق وصفاء مع روحها الأصلية.

وترى نفسها في نهاية المطاف حلقة في مسيرة ذاكرة أرض تخيط وتنسج حكاياتها القديمة في أشكال جديدة لتوقظ ما ظل حيا منذ الأزل، ولكل من يسعى ليعود إلى ذاته على أكتاف الأسلاف والملكات.

وأجمل ما في السيرة تذييلها برسالة من ملكة مليحة أبيئيل بنت باجلان، التي تنهيها بقولها 'أتيت لأحبكم. لأرشد خطاكم. لأفتح أمامكم درب القلب...'.

سيرة تستحق القراءة والتأمل.