الرأي

المسؤولية المجتمعية وقطاع الصناعات الدوائية

نبيل عبدالحفيظ الحكمي
تعد المسؤولية المجتمعية، في قطاع الصناعات الدوائية من أبرز التحديات التي تواجه شركات الأدوية، وذلك بسبب الحاجة الملحة لتحقيق التوازن بين الالتزام المجتمعي وتحقيق الأرباح. وتبرز أهمية المسؤولية المجتمعية في الصناعات الدوائية بسبب تأثيرها المباشر على حياة الناس وصحتهم، مما يجعل من الالتزام الأخلاقي والاجتماعي معيارا هاما في تقييم نجاح الشركات.تتجلى المسؤولية المجتمعية، في قطاع الصناعات الدوائية عبر توفير الأدوية والعلاجات الضرورية بأسعار معقولة وفي متناول الجميع. وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية، فإن هناك أكثر من 2 مليار شخص حول العالم يعانون من نقص الوصول إلى الأدوية الأساسية. وتسعى الشركات الدوائية العالمية من خلال برامج المسؤولية المجتمعية إلى سد هذه الفجوة عبر مبادرات مختلفة مثل توفير الأدوية بأسعار مخفضة أو مجانا في الدول النامية والمناطق ذات الدخل المحدود.تظهر المسؤولية المجتمعية، في الالتزام بالشفافية والممارسات الأخلاقية في عمليات التصنيع والتسويق. وتعد الممارسات التسويقية غير الأخلاقية، مثل التسويق المفرط أو تقديم معلومات مضللة حول الأدوية، من أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع. لذا، تلتزم الشركات الرائدة مثل (شركة جونسون آند جونسون)، و(شركة روش)، و(شركة فايزر) بمبادئ الشفافية في نشر نتائج الأبحاث العلمية والتجارب السريرية.ومن جانب آخر، تقوم الشركات بدور هام في الاستثمار في خدمة المجتمع والدور المجتمعي والمسؤولية المجتمعية البناءة. على سبيل المثال، أنفقت (شركة جونسون آند جونسون) في عام 2023 أكثر من 1.5 مليار دولار على برامج المسؤولية المجتمعية التي تشمل الدعم الصحي والتعليمي والاجتماعي، كما خصصت (شركة نوفارتس) حوالي 1.2 مليار دولار لدعم مبادرات مماثلة في الدول النامية.تتجاوز المسؤولية المجتمعية في قطاع الصناعات الدوائية مجرد تقديم الدعم المالي، حيث تتضمن أيضا استراتيجيات لضمان استدامة البيئة. وفقا لتقرير نشرته مجلة فوربس عام 2024، التزمت أكثر من 80% من شركات الأدوية الكبرى بتحقيق أهداف واضحة للحد من الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030، وذلك من خلال تحسين عمليات التصنيع واستخدام مصادر طاقة نظيفة.بالإضافة إلى ذلك، تتنامى المسؤولية المجتمعية في مجال الأبحاث الطبية من خلال التركيز على الأمراض النادرة أو التي تفتقر إلى الاهتمام الكافي. وأشار تقرير مؤسسة (آي كيو فيا) إلى أن الاستثمار في أدوية الأمراض النادرة شهد ارتفاعا بنسبة 15% بين عامي 2020 و2024، ما يعكس التزام الشركات الدوائية تجاه الفئات المهمشة طبيا.أيضا تقوم شركات صناعة الأدوية السعودية بدور بارز في خدمة المجتمع من خلال مبادرات متعددة تشمل التوعية الصحية، الاستدامة البيئية، المسؤولية الاجتماعية، والتعاون مع الجهات الصحية والحكومية؛ فهي تسهم في رفع مستوى الوعي الصحي عبر تنظيم ورعاية حملات تثقيفية ومؤتمرات طبية في جميع أنحاء المملكة. كما تدعم هذه الشركات المبادرات البيئية الهادفة إلى الاستدامة، على سبيل المثال، عقدت شركة تبوك للصناعات الدوائية شراكة مع شركة شنايدر إلكتريك لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2025. وفي إطار مسؤوليتها الاجتماعية، تقدم شركات الأدوية مساهمات ملموسة للمجتمع، مثل تبرع الشركة السعودية للصناعات الدوائية (سبيماكو) بمنتجات دوائية بقيمة 11 مليون ريال لدعم جهود وزارة الصحة في مواجهة جائحة كورونا، فضلا عن دعمها لجمعيات خيرية مثل جمعية الأطفال ذوي الإعاقة.بالإضافة إلى ذلك، تتعاون هذه الشركات بشكل وثيق مع الجهات الرسمية لتعزيز الصحة العامة. وعلى سبيل المثال قامت مجموعة تمر بالتعاون مع جامعة الملك عبدالعزيز في إنشاء كرسي علمي بحثي لتحويل الأبحاث العلمية إلى منتجات طبية ودوائية مبتكرة. أيضا وقعت شركة النهدي الطبية مذكرة تفاهم مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لدعم المبادرات الصحية المجتمعية عبر منصة 'إحسان' الوطنية. ومن خلال هذه الجهود المتنوعة، تبرز شركات رائدة مثل سبيماكو والنهدي وتبوك كنماذج تجسد التزام قطاع الدواء بالمسؤولية الاجتماعية وخدمة المجتمع وتعزيز الشراكات بما يتوافق مع أهداف رؤية المملكة 2030.ومن التحديات المهمة التي تواجه الشركات الدوائية، تحقيق التوازن بين مسؤولياتها المجتمعية وتطلعاتها لتحقيق الأرباح. ورغم الضغوط المتزايدة من المساهمين لتحقيق عوائد مرتفعة، تؤكد الدراسات أن الشركات التي تدمج المسؤولية المجتمعية ضمن استراتيجياتها تحقق أداء ماليا مستداما على المدى الطويل. وبحسب دراسة أجرتها شركة (ماكينزي) الاستشارية، فإن الشركات التي تولي اهتماما أكبر بالمسؤولية المجتمعية سجلت ارتفاعا في الربحية بنسبة 5-7% مقارنة بالشركات التي لا تركز على هذه الجوانب.ختاما، عزيزي القارئ، يبقى الالتزام بالمسؤولية المجتمعية أحد المحاور الأساسية لاستدامة ونمو قطاع الصناعات الدوائية. ومع تزايد الوعي العالمي بأهمية دور الشركات في تعزيز الصحة المجتمعية والبيئية، يتوقع أن تستمر الشركات في تطوير سياسات وبرامج أكثر فعالية لتحقيق هذا الهدف. ويبقى التحدي الأبرز هو إيجاد التوازن الأمثل بين الالتزام الاجتماعي وتحقيق الأرباح، ما يضمن استدامة النجاح الاقتصادي مع التأثير الإيجابي المستدام على المجتمعات.nabilalhakamy@