البلد

الرياض وبكين.. التاريخ المنقوش على الحجر

في اللحظة التي مدّ فيها الإنسان الأول يده نحو الصخر، لم يكن يدرك أنه يضع السطر الأول في كتاب الحضارة. هو لم يكن يبحث عن الجمال ولا عن الخلود، بل لتوثيق أثرٍ يقول ببساطة 'كنت هنا'، ومنذ تلك اللحظة، تحوّل الحَجر من مادةٍ صامتة إلى ذاكرة حيّة، ومن عنصرٍ طبيعي إلى وسيطٍ ثقافي مشترك بين البشر، مهما اختلفت لغاتهم وتباعدت جغرافيتهم.هذا المعنى العميق يعود اليوم إلى الواجهة ضمن جزءٍ بسيط من محتوى النسخة الثالثة من مهرجان 'بين ثقافتين'، الذي نظّمته وزارة الثقافة في مدينة الرياض خلال الفترة من 24 ديسمبر حتى 6 يناير 2026، واستضاف جمهورية الصين الشعبية، في احتفاءٍ ثقافي يتجاوز فكرة العرض إلى إعادة قراءة الجذور الإنسانية المشتركة بين حضارتين عريقتين، وذلك بالتزامن مع العام الثقافي السعودي الصيني 2025.ففي جنوب المملكة العربية السعودية، كما في عمق الجغرافيا الصينية، وقف الإنسان القديم أمام الصخر لا ليزيّنه، بل ليوثّق تاريخاً من خلال بصمات يدٍ، أو آثار قدمٍ، أو نقوشٍ صخرية لحيواناتٍ ومشاهد صيد، ورموزٍ بدائية تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في حقيقتها أول محاولة لفهم العالم وتثبيت العلاقة معه.في حِمى وتيماء بالمملكة، كما في مناطق التبت ودونهوانغ بالصين، تتكرر الفكرة ذاتها: الإنسان يخاطب الزمن عبر الحجر.هنا، لا يصبح السؤال 'أيُّ الحضارتين أقدم؟'، بل كيف تشابهت الرغبة الإنسانية في التعبير منذ فجر التاريخ، وكيف التقى إنسان الجزيرة العربية بإنسان الجبال الصينية عند ذات الحاجة، بأن يترك أثراً يتجاوز عمره الفردي، ويمنح الجماعة ذاكرةً يمكن العودة إليها. فالحجر، قبل أن يكون بناءً أو نقشاً، كان لغةً مشتركة، لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تعرف الحدود.ومن هذا المنطلق، قدّم مهرجان 'بين ثقافتين' قراءةً ثقافية هادئة لهذا الإرث، لا بوصفه ماضياً منقطعاً، بل حاضراً ممتداً. فالمواقع الأثرية والكهوف والنقوش لم تكن مجرد خلفيات طبيعية، بل فضاءاتِ تأمّل، كانت تُروى عندها الحكايات، وتُحكى عندها القصص، وتتشكل فيها ملامح الهوية الأولى.في فضاءات مهرجان 'بين ثقافتين' تتحول هذه الفكرة إلى تجربةٍ حسية ومعرفية، حيث لا يقتصر الزائر على مشاهدة صورٍ أو نماذج فحسب، بل يُدعى إلى إعادة التفكير في سؤال الحضارة ذاته، وهل تتقاطع الحضارات لأنها متشابهة، أم لأنها انطلقت من الأسئلة الإنسانية نفسها، التي تتناول فكرة البقاء والذاكرة والمعنى.الأثر الحجري، في هذا السياق، لا يُقدَّم بوصفه شاهداً صامتاً، بل بوصفه طرفاً في حوار حضاري طويل، حوار لا يحتاج إلى كلمات، لأن الحجر مفهومٌ في نجران كما هو مفهومٌ في شنشي الصينية. وهذا ما يمنح العناصر المشتركة بين الثقافتين السعودية والصينية قوتها؛ فهي تذكّر بأن الثقافة، في جوهرها، لغةٌ إنسانية واحدة، تتعدد أشكالها لكنها تتقاطع في جذورها.الاحتفاء بالأثر الأول لا يعني التعلّق بالماضي بقدر ما يعني فهمه. فالحضارات الواثقة من عمقها لا تخشى المقارنة، ولا تتردد في فتح أبواب الحوار، لأنها تدرك أن جذورها الراسخة هي ما يمنحها القدرة على التجدّد. ومن هنا، جاء مهرجان 'بين ثقافتين' بوصفه مساحةً تفاعلية تضع الثقافة السعودية في سياقها العالمي، وتعيد تقديمها باعتبارها جزءاً أصيلاً من التاريخ الإنساني المشترك.لذا فقد أخذ المهرجانُ زوارَهُ في رحلةٍ ثقافية متكاملة سلطت الضوء على المعرض الفني السعودي–الصيني المشترك، وأتاحت تجربة 'الشارع الصيني' التي تستعرض الحِرف والصناعات اليدوية، إلى جانب العروض الأدائية والموسيقية، والفعاليات التفاعلية التي تعكس القيم المشتركة في التراث والهوية.