الرأي

قانون العتبة

فهد عبدالله


التأمل في القوانين الكونية في جميع مناشط الحياة وفهم معالمها وربطها ببقية المناشط الأخرى يقدم للإنسان جرعة وعي فاخرة تقود إلى زيادة منسوب الوعي، فضلا عن التثبيت الإداركي والنفسي تجاه التفسيرات المنطقية والموزونة لكل ما يدور فينا أو حولنا، بالإضافة لمعرفة مسببات الأمور أيا كانت اتجاهاتها سلبية أم إيجابية، وإمكانية الحد منها أو تعزيزها. وأعتقد أن هذا النوع من الفهم والتأمل ضرب من ضروب النضج والحكمة تجاه الاتساق مع هذه القوانين الكونية عملا وفهما وتفسيرا.

من تلك القوانين قانون العتبة (Threshold Effect)، هناك نقطة محددة يصبح فيها التغيير مفاجئا وكبيرا، وقبلها تكون هناك حالة من التراكم التدريجي التي يعلو محياها الصمت والتغيرات البسيطة الهادئة، هذا القانون الكوني يمكن أن تراه في الكون والإنسان والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية إلخ.

في الديناميكا الحرارية مثلا عمليات تحول الماء من الحالة السائلة إلى الغازية تأخذ مسارها عند عتبة درجة الغليان التي هي 100 درجة مئوية، وكذلك حالة التجمد والانصهار أو التكثف والتبلور وغيرها لا يحدث التغير المفاجئ إلا عند نقطة العتبة (Threshold Point)، في البراكين مثلا تتراكم الصهارة (Magma) والغازات تحت القشرة الأرضية لفترات زمنية طويلة جدا، وعند حد العتبة لا تستطيع الصخور فوقها التحمل فتنفجر البراكين فجأة، مطلقة كمية هائلة من الحمم والغازات والرماد، وقس على ذلك بقية الظواهر والقوانين الكونية الأخرى.

واحدة من أعظم الأدوات التي ابتكرها البشر لفهم المخاطر وقياسها والتفاعل معها هي إطار شهية وتحمل المخاطر، الذي يسمح للمنظمات والأفراد بتحديد الحدود المقبولة للمخاطر وتصنيفها ومراقبتها بطريقة منهجية. في إطار شهية المخاطر (Risk Appetite) يحدد مقدار المخاطرة الذي يمكن تحمله في سبيل تحقيق الأهداف، بينما إطار تحمل المخاطر (Risk Tolerance) يوضح الحد الأقصى الذي لا يمكن تجاوزه دون الوصول إلى تحولات مفاجئة أو أضرار جسيمة.

هذا الإطار يمثل امتدادا عمليا لمفهوم العتبة (Threshold) في الأنظمة المعقدة، حيث يتم رصد تراكم المخاطر الصامتة قبل الوصول إلى النقطة الحرجة. الفكرة الجوهرية واحدة: التحولات الكبرى لا تحدث تدريجيا، بل بعد تجاوز حد معين، سواء في الأنظمة القابلة للقياس أو في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية الأكثر تعقيدا والتي يصعب قياسها مباشرة.

ما يجعل هذا الإطار مميزا هو أنه يحول المخاطر من شعور غامض إلى أداة قابلة للرصد والتحكم، ويتيح للمنظمات اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على البيانات، ورصد الأنماط والتراكمات التي قد تؤدي إلى تحولات كبيرة، قبل أن تصبح الأحداث خارج نطاق السيطرة.

في الأنظمة الفيزيائية والحرارية والديناميكية، يمكن قياس المتغيرات بدقة (Quantitative) وتحديد النقاط الحرجة التي تتحكم في التحولات، مثل درجة الحرارة أو الضغط، ما يجعل مراقبة التحولات وتجاوز العتبات أسهل وأوضح بل حتى التنبؤ بها الدقيق بحجم الأثر وزمن وقوعه.

أما في الأنظمة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فالتحولات أكثر صعوبة في التوقع، لأن المتغيرات نوعية (Qualitative) ومعقدة ومتشابكة. لذلك حتى تلك الأدوات الحديثة التي تحاول تحويل النوعي بشكل يشابه الكمي تحصل على نتائج رائعة لكنها لا يمكن لها أن تكون بتلك الدقة المتناهية للحسابات الكمية.

أخيرا، المخاطر موجودة ما بقي الإنسان في هذه الحياة، والخطر الحقيقي هو في تجاهل قوانين لحظات التحول، والأنظمة بأنواعها كافة، يمكن استنطاق الإنذارات فيها قبل تجاوز العتبات. لذلك مراقبة الأنماط، تعريف حدود المخاطر، ورسم خطوط فاصلة بين ما يمكن احتماله وما لا يمكن القبول به هو حجر الزاوية لإدارة المخاطر التي ليست مجرد إجراء احترازي، بل أصبحت أبعد من ذلك كلغة لفهم التحولات قبل حدوثها.