الرأي

المواءمة والتكيف البشري

فاطمة يحيى عدوان
وجهت ظروف الدراسة والسعي وراء المعرفة أحدهم إلى التنقل بين أكثر من خمسين منزلا ومكانا في دول وبيئات مختلفة، ورغم هذا التغير المستمر استطاع التعايش بمرونة لافتة. هنا بدأ الفضول المعرفي: ما سر هذا التكيف؟ كيف يمكن للإنسان أن يحول التغيرات المتلاحقة إلى فرص يستثمرها لصالحه، ويتغذى منها وتغذيه، فتنعكس آثارها إيجابا على مساره دون شك.

وتبين أن ذلك يعود إلى امتلاكه فنيات المواءمة، التي أسهمت في توجيه السلوك ودعمت القدرة على التكيف. ويعد هذا المفهوم مدخلا لفهم الذات؛ إذ يشير إلى قدرة الإنسان على التعايش والانسجام مع تحولات المجتمع الحيوي الذي ينتمي إليه، فالفرد ينتمي لمنظومة ديناميكية لها بروتوكولات وقوانين، وهي واقعه الذي لا بد عليه أن يعيه.

إن اجتماعية الإنسان لها علاقة طردية بالتكيف، هي طابع فطري للتعايش، للشعور بالأمان وللاتزان الداخلي والاستمرارية ولثبوتها كقانون كوني؛ لا يستطيع الإنسان أن يعيش منعزلا، فسلوكه وتفاعلاته ورمزياته تتجسد في إطار المجتمع الحيوي، وعليه فإن التكيف البشري سلوك يحتاج إليه الإنسان لمواءمة التغيرات التي تحيط به.

والفرد مرهون بفكرته؛ هذا ما يثبته لنا كارل روجرز في نظرية الهوية الذاتية، حيث ذكر أن السلوك هو انعكاس مباشر لملف الهوية الذهنية. وغير ذلك النظرية المعرفية السلوكية لآرون بيك والتي مفادها أن الفكرة تتحول لمشاعر والمشاعر إلى سلوك ومن خلاله تظهر النتيجة. هذه الحقائق الثابتة تفسر أن الإشارات العصبية ترسل استجابة لأي موقف يواجهك إما بالقبول أو الرفض، سواء تلقيتها بوعي وإدراك أو أنك وقعت معها في متاهة ذهنية، ما يهمنا أن استجابتك كفرد ستنعكس تلقائيا على سلوكك.

ولك أن تتخيل معي كيف أننا لا نمتلك أبسط المفاهيم في التعايش والتكيف، ماذا سيحدث؟ صراع! رفض! تعثر عجلة التغيير والتطور؟ عدم انسجام! مشكلات! جهد ذهني وأحيانا جسدي وعرقلة لأمور كثيرة تستنزف طاقتك، ومتاهة من التفكير اللامنتهي بحثا عن العلة والسبب، كل ذلك بسبب غير ظاهر فعليا لكنه انعكاس للتصور الداخلي لديك، التصور في كينونتك كنفس بشرية أحكمت غلق الباب الذهني ورفضت التكيف مع أي تغير أو بيئة أنت كائن فيها.

نحتاج إلى التكيف لأنه وسيلة للبقاء مع ذاتنا، وأسرتنا، وعلاقاتنا، وبيئة عملنا. نحتاجه أيضا لأننا مختلفون ولا يشبه بعضنا بعضا، وفي كل موقف نواجه تحديات قد تدفعنا للصدام أو الرفض، دون أن نستسلم أو ننهزم، ودون أن نصبح سبب اللوم أو الخطأ.

غير قناعاتك الداخلية وتبنى فنيات التكيف والمواءمة؛ من أبسط الأشياء تقبل الاختلاف، لا تتصادم وتعيش في دوامة الفكرة والصواب والخطأ ولا ترفع سقف التوقعات والمثالية اللامنطقي.

الجهل الحقيقي هو أنك ما زلت مركونا خلف مرتكزاتك الفكرية التي وضعتها لنفسك ورفضت الواقع الفعلي الذي يعيش في تحولية أنت منعزل عنها. ابدأ بتغيير القناعة العتيقة وتواءم مع العجلة المتطورة التي حولك، أشعل ضوء الفكرة والوعي الكامن وتقبل وانسجم وامنح ذاتك المساحة الواسعة في الاستمتاع بالاختلاف من حولك، خذ ما يناسبك ولا تعترض غير ذلك؛ حتى تعيش في سلام داخلي وطمأنينة؛ فالتكيف سمة الحياة التي لا غنى لنا عنها.