ثلاثية القوة والضعف والحكمة: قراءة في فلسفة البقاء
الاثنين / 23 / رجب / 1447 هـ - 01:49 - الاثنين 12 يناير 2026 01:49
في معترك الحياة وتقلبات السياسة والاجتماع، يظل السؤال الجوهري يطاردنا: هل البقاء للأقوى أم للأكثر حكمة؟ يظن الكثيرون أن القوة والضعف ضدان لا يجتمعان، لكن التأمل العميق في النفس البشرية وفي مسارات التاريخ يكشف لنا أن الحقيقة تكمن في المسافة الفاصلة بينهما، وفي كيفية إدارة العقل لهذين المتناقضين.
فلسفة القوة والضعف: ما وراء التعريفات
تبدأ القوة في جوهرها كقدرة على التأثير وإحداث التغيير، لكنها ليست نمطا واحدا. فبينما يركز البعض على «القوة الصلبة» المتمثلة في المال والسلطة، يطرح المفكر طه عبد الرحمن (2000) بعدا أعمق يتجاوز المادية؛ وهو القوة المؤيدة بالقيم الأخلاقية، معتبرا أن السيطرة على النفس هي ذروة التمكن.
وفي المقابل، غالبا ما يساء فهم «الضعف» بوصفه عجزا محضا، إلا أن سيكولوجية الإنسان المقهور كما حللها مصطفى حجازي (2013)، تشير إلى أن الضعف حين يقترن بالوعي يتحول إلى طاقة كامنة وقدرة هائلة على الصمود وامتصاص الصدمات، وهو ما يمكن تسميته «حكمة الضعف».
الحكمة والجنون: ميزان العقل واختلاله
إن ما يحول القوة إلى أداة بناء أو معول هدم هو «الحكمة» أو غيابها (الجنون). الحكمة هي القدرة على وضع الشيء في موضعه الصحيح، وهي ميزان أخلاقي قبل أن تكون مهارة عقلية. أما الجنون في هذا السياق، فليس فقدانا للعقل بالمفهوم الطبي، بل هو «جنون العظمة» وانفصال الذات عن واقعها البشري.
ويذهب لطفي خضر (2017) في دراسته لسيكولوجية الطغيان، إلى أن القوة المطلقة تقود حتما إلى «جنون القوة»، حيث تتضخم الأنا وتلغي الآخر، مما يجعل صاحبها يرى في قوته حصانة من السنن الكونية، وهنا تبدأ رحلة السقوط.
العلاقات البينية: التفاعل الخفي
تنشأ بين هذه المفاهيم علاقة تفاعلية معقدة؛ فالحكمة هي التي تمنح القوة «شرعيتها» واستدامتها، وهي التي تمنح الضعف «كرامته» وصبره. إن أخطر ما يواجه المجتمعات هو «جنون القوة»؛ ذلك المزيج الذي تتوفر فيه الأدوات وتغيب فيه البصيرة. بينما تبرز «حكمة الضعف» كخيار استراتيجي حين يدرك الإنسان محدوديته المادية، فيلجأ إلى المرونة والتعاطف والذكاء الوجداني لتجاوز العقبات، وهو ما يسميه عبد الوهاب المسيري (2002) «تجاوز المادية» نحو آفاق الإنسانية الرحبة.
النماذج التحليلية: أيها الأقوى وأيها الأفضل؟
عند تحليل الواقع الإنساني، نجد أنفسنا أمام ثلاثة نماذج رئيسية:
- النموذج الأضعف: وهو نموذج «الضعف المقترن بالتهور» أو غياب الحكمة، حيث يفتقر الكيان للقوة ويتصرف بعنجهية غير مدروسة تؤدي للانهيار.
- النموذج الأقوى: هو «القوة المحكومة بالحكمة»؛ الكيان الذي يمتلك الأسباب المادية ويوجهها بوعي أخلاقي وإدراك للمآلات.
- النموذج الأفضل: هو ذلك المزيج المتوازن الذي يمتلك قوة التأثير، ولكنه لا يتنكر لبشريته وتواضعه. إنه النموذج الذي دعا إليه علي الوردي (2005) مؤكدا أن النضج يكمن في الاعتراف بالحقائق والاتزان بين المتناقضات.
النموذج السعودي وتوازن الإرادة
إن القوة التي لا تعترف بضعفها هي قوة عمياء، والضعف الذي لا يبحث عن حكمته هو هوان مستسلم. يبقى النموذج الأمثل هو ذلك الكيان الذي يمسك بزمام القوة بيد، وبالحكمة باليد الأخرى؛ وهنا نجد في القيادة السعودية المعاصرة أنموذجا حيا لهذا التوازن الفريد. ففي «رؤية السعودية 2030»، تجلت القوة في القرارات السيادية والاقتصادية الجريئة، بينما برزت الحكمة في التخطيط الاستراتيجي المتأني والارتباط العميق باحتياجات المواطن وتطلعاته. لقد قدمت المملكة للعالم نموذجا في «القوة الرشيدة»؛ التي لا تستعرض سطوتها لمجرد السيطرة، بل تسخر إمكاناتها لبناء مستقبل مستدام، مؤكدة أن عظمة الدول لا تكمن في قدرتها على فرض الإرادة فحسب، بل في قدرتها على تحويل تلك القوة إلى حكمة بناء تنفع الإنسان وتصون الأوطان.