حقوق الدائنين في الشركات ذات المسؤولية المحدودة
الاثنين / 23 / رجب / 1447 هـ - 01:41 - الاثنين 12 يناير 2026 01:41
تعد الشركة ذات المسؤولية المحدودة من أكثر الأشكال القانونية شيوعا في النشاط التجاري، لما توفره من مرونة في الإدارة، وحماية للشركاء من المخاطر المالية. غير أن هذا الامتياز النظامي كثيرا ما يساء فهمه، إذ يظن بعض المتعاملين أن المسؤولية المحدودة تعني بالضرورة ضعف مركز الدائن أو انعدام وسائل حمايته، وهو تصور غير دقيق ولا ينسجم مع فلسفة نظام الشركات.
فالأصل في الشركة ذات المسؤولية المحدودة أن تكون لها شخصية اعتبارية مستقلة وذمة مالية قائمة بذاتها، تسأل عن التزاماتها في حدود أصولها. وبموجب ذلك، يكون الدائن صاحب حق مباشر في ذمة الشركة، لا في ذمم الشركاء الشخصية. غير أن هذا القيد لم ينشأ لحماية الشركاء على حساب الدائنين، بل لتحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار وضمان استقرار المعاملات.
وخلال مرحلة نشاط الشركة، يتمتع الدائن بعدد من الحقوق الجوهرية، في مقدمتها حقه في مطالبة الشركة بالوفاء، واللجوء إلى القضاء لإثبات دينه، واتخاذ إجراءات التنفيذ على أموال الشركة. كما يملك الدائن الحق في الاستفادة من الضمانات المقدمة، سواء كانت عينية أو شخصية، متى ثبتت نظاما. ويلاحظ أن النظام لا يمنع الدائن من طلب كفالات أو ضمانات إضافية عند التعاقد، وهو ما يعزز مركزه القانوني منذ البداية.
وعند تعثر الشركة أو دخولها مرحلة التصفية، ينتقل الدائن إلى مرحلة أكثر حساسية. إذ تجمد تصرفات الشركة، وتحصر أصولها، وتسدد الديون وفق ترتيب نظامي يراعي العدالة بين الدائنين. ويظل حق الدائن قائما في حدود أموال الشركة، ولا يسقط لمجرد زوالها، بل يستوفى من حصيلة التصفية متى ثبت الدين وصح سببه.
ومع ذلك، لم يغلق النظام الباب أمام مساءلة الشركاء أو المديرين شخصيا في جميع الأحوال. فإذا ثبت إساءة استعمال الشكل النظامي، أو خلط الذمة المالية للشركة بذمم الشركاء، أو ارتكاب غش أو تدليس أو إهمال جسيم أضر بالدائنين، جاز رفع الحجاب عن المسؤولية المحدودة، وتحميل المتسبب المسؤولية الشخصية. وهذا الاستثناء يعد أداة توازن مهمة تمنع التحايل وتكفل حماية الدائن من سوء الاستغلال.
ومن الناحية العملية، فإن أفضل حماية للدائن لا تبدأ عند النزاع، بل قبل التعاقد. ويشمل ذلك التحقق من الوضع المالي للشركة، والاطلاع على سجلها التجاري، والتأكد من صلاحيات المدير، وطلب الضمانات المناسبة، وعدم الاكتفاء بالثقة أو السمعة التجارية وحدها.
وخلاصة القول، إن الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا تقصي حقوق الدائن، بل تنظمها ضمن إطار متوازن يحقق العدالة بين أطراف العلاقة التجارية. أما الدائن الواعي، فهو من يحسن قراءة هذا الإطار، ويتخذ من الأدوات النظامية والوقائية ما يحفظ حقه قبل أن يصبح الدين محل نزاع.