السعودية.. حكم الجغرافيا وشهادة التاريخ
الاثنين / 23 / رجب / 1447 هـ - 01:39 - الاثنين 12 يناير 2026 01:39
يشهد شرقنا الأوسط صراعات محتدمة بين مفهومين متناقضين، المفهوم الأول تأصيلي يقوم على الحفاظ على وحدة البلدان العربية ولملمة شتات شعوبها ورصهم في خندق الوحدة الوطنية التي تضمن بقاء الوطن الأصل كثابت لا تشوبه شائبة ولا تعكر صفوه رياح الفتن العاتية التي هبت على المنطقة مؤخرا منذ نشوء ما يعرف بالربيع العربي!
المفهوم الثاني وهو الطارئ الشيطاني المبتدع على المنطقة العربية وشعوبها، وهو التفكيك والتخريب للوصول إلى صيغ وأشكال ممزقة للأوطان الأصلية، ليسهل التحكم بها وليعاد تشكيل خارطة منطقتنا، وفق مناطق نفوذ جديدة تخدم إسرائيل أولا وتعيد المستعمر للمنطقة تحت ذرائع شتى بسب التداعيات المنتظرة لهذا الوضع السياسي الجديد!
المملكة العربية السعودية بتاريخها المديد وجغرافيتها الشاسعة كانت وما زالت النموذج الوحدوي العربي الإسلامي العظيم الذي شكله عبدالعزيز بن عبدالرحمن - بعد إرادة الله - ليكون النموذج الأول والأكمل، لكل صور التكامل العربي الوحدوي التي جاءت والتي يراد لها أن تكون، هذا النموذج الوحدوي كان وسيظل مؤرقا لكثيرين رأوا في هذا الشكل الجديد والقويم كل مقومات الدولة القوية والفتية رغم تقادم السنين، فالدولة السعودية في أدوارها الثلاثة عززت مفهوم الدولة الوطنية المؤطرة بالفكرة والطموح والانضباط، كل ذلك ساعد على الحفاظ على الجزيرة العربية وخصوصياتها الفكرية والسياسية والاجتماعية على مدى ثلاثة قرون، وهذا ما جعل السعودية والسعوديين رقما أصيلا وصعبا في هذه المنطقة، شكلت هذه الخصوصية المديدة؛ التاريخ والجغرافيا والهمة السعودية العالية وقدرتها على المرونة والمناورة تبعا لظروف الزمان ومتغيراته في كل مكان.
اليمن والسودان والصومال اليوم؛ كلها مشاريع تجزئة وتشرذم وفرقة، في حالة غريبة تدعو للتساؤل حول الأبعاد الحقيقية لما يجري في هذه الدول الشقيقة، فما يحصل فيها، ليس مجرد حراكات داخلية قادت لمثل هذه النزاعات الدموية الخطيرة، ولكن ذلك كله يجري تحت ما يسمى بحروب الوكالات التي تشعلها كيانات موجودة في المنطقة لديها مشاريع غير واقعية لا تتناسب مع الواقعية السياسية ولا واقع المنطقة وجغرافيتها وشعوبها.
ولتأصيل مفهوم ما يجري يجب أن نتذكر أن بعض الرموز العربية في بلدانها، ترى في إسرائيل النموذج المثالي الذي يجب الاقتداء به، والدوران في فلكه وعبر مداراته، للوصول إلى صيغة تماثل هذا النموذج، فإسرائيل دولة في مساحتها تشابه بعضا من هذه الدول، وعدد سكانها القليل يشابه الحالة المزمنة التي تعاني منها الدول ذاتها، لكن إسرائيل صنعت تأثيرا يفوق جغرافيتها وديموغرافيتها بمراحل كثيرة، هذا النموذج عند البعض من العرب اجتزئ من سياقه التاريخي والسياسي، عندما تم تجاهل الدور الوظيفي لإسرائيل كونها في بعدها العقائدي والتاريخي تمثل قاعدة الغرب المتقدمة والمتقدة في الشرق الأوسط، من أجل زعزعة أمنه وأمانه واستقراره، أخذ البعض هذا النموذج - مجتزأ عن سياقاته - ظانين أن المال الوفير، والعلاقة الوثيقة مع إسرائيل، هما ما يعيدان تشكيل خارطة المنطقة من خلال تفتيت الدول الكبيرة، والوصول إلى صيغ سياسية تتيح لهذه الدول الصغيرة الخروج من جبروت الجغرافيا ووقعها وواقعها؛ بصناعة تاريخ جديد يقوم على الولاء المطلق لإسرائيل والاصطفاف معها في قضايا استراتيجية خيالية، تسمح لهم بتقديم أنفسهم لإسرائيل أولا وللغرب ثانيا وللعالم ثالثا، أنهم النموذج المثالي والأمثل للدول العربية الصغيرة التي تضمن أمن إسرائيل وسلامتها في محيط جديد ينتظر، جزأته الطموحات الصغيرة وغذاه احتياج إسرائيل لواقع عربي جديد منقسم على نفسه وعلى تاريخه الطويل، كل ذلك يتم إعداده من خلال تغيير خارطة العالم العربي وتدميره وفق سياسات تخريبية تقوم على إثارة الفتن والقلاقل وتأجيج الحروب من خلال الدعم السريع والمستمر لبعض الفصائل الخارجة على الدولة والدول المحيطة بها.
الربيع العربي كان استراتيجية تهدف إلى نزع الشرعية عن بعض الحكومات العربية، من أجل نشر الفوضى ليتم إعادة تشكيل المنطقة من جديد، كان لهذا المفهوم أنصاره وأدواته وحراكه الإعلامي الكبير، الذي لم يصمد في وجه السعودية التي تصدت لهذه الموجات ووأدتها وعاد صناعها ليعيشوا وقع التاريخ وواقع الجغرافيا من جديد.
تعود الغاية ذاتها مرة أخرى، ولكن بوسائل أكثر دموية وعبر كيانات عربية جديدة، لتمارس الدور ذاته من أجل تقسيم المنطقة وفق مناطق نفوذ جديدة، تكون العصمة والعصا فيها بيد إسرائيل، والبقية من المساهمين يدورون في فلكها خدمة لهذا المشروع لضمان خروجهم من عزلة الجغرافيا وحكم التاريخ حتى لو كان هذا الخروج في سياق إسرائيلي خالص مناهض للتاريخ ومخالف للجغرافيا.
السعودية في اليمن تمارس حقها في الدفاع عن نفسها تجاه كل حركات الانفصال التي تحاول الشقيقة الإمارات تفصيلها وفق مفهوم يخالف الواقع والواقعية، فاليمن عمق استراتيجي للسعودية والعبث فيه يعد مساسا بالسيادة السعودية، وهذا ما يجعل العرب في سوادهم الأعظم يقفون خلف قيادتنا في كل حراكاتها الأخيرة في اليمن والسودان والصومال، فالسعودية شبه قارة وكل هذه البلدان على تماس مباشر معنا عبر واقع جغرافي مشترك وقبلها شراكة التاريخ، فما يجري هناك يؤثر هنا، وهذا التأثير تعرفه الدول الكبيرة وتسعى دائما لعدم حصوله، وهذا يفسر سر ردود الفعل القوية تجاه كل من يحاول التماس والمساس مع هذا الواقع والعبث به، فسيادة الدول الكبيرة لا تكون بمعزل عما يجري حولها، وهنا يكمن الفرق بين دولة ضاربة في أعماق التاريخ شاهد ذلك الجغرافيا الحاضرة وبقوة، وبين دول لا ترى التاريخ إلا من خلال فنتازيا الحلم والخيال، ولا ترى في الجغرافيا سوى مجرد مساحة على الخريطة تبقى افتراضية، قد يغيرها حلم عابث من هنا أو نزوة شيطانية من هناك، وهذا ما لم يكن ولن يكون!