الرأي

عام جديد... وتوقعات لا تهدأ

ليلى علي مجرشي


مع بداية كل عام، لا يتغير التقويم وحده، بل تتغير معه نظرتنا لأنفسنا. فجأة نشعر أن الوقت يطالبنا بشيء ما، وأن علينا أن نكون أكثر وضوحا، أكثر إنجازا، وأكثر قدرة على إثبات ذواتنا. تبدأ السنة وكأنها وعد مفتوح، لكنه يحمل في داخله ضغطا صامتا، لا يقال صراحة، لكنه يُشعر به.

في الأيام الأولى، تمتلئ الأحاديث بقوائم طويلة: خطط، أهداف، قرارات مؤجلة حان وقت تنفيذها. البعض يعلن بداية جديدة، والبعض يراجع ما فاته، وآخرون يشعرون أن عليهم اللحاق بشيء لا يعرفون اسمه بدقة. تتحول البداية من لحظة تأمل إلى لحظة مقارنة، ومن فرصة هادئة إلى سباق غير معلن.

من زاوية نفسية، تميل البدايات إلى تضخيم التوقعات. العقل يحب الرمزية، وبداية العام تمثل رمزا قويا للتغيير. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرمزية إلى عبء، وحين نربط قيمتنا الشخصية بقدرتنا على تحقيق تحولات سريعة وواضحة. هنا يتراجع الشعور بالرضا، حتى قبل أن تبدأ الرحلة فعليا.

في الواقع اليومي، يظهر هذا الضغط بأشكال بسيطة. شخص يبدأ عامه بطاقة عالية، ثم يشعر بعد أسابيع أن الحماسة خفت، فيفسر ذلك على أنه فشل، لا كجزء طبيعي من أي مسار. آخر يضع أهدافا أكبر من قدرته الحالية، ثم يجلد نفسه حين يتعثر، بدل أن يعيد ضبط التوقعات. وثالث يعيش حالة توتر دائمة لأنه يشعر أن الجميع يتقدم، بينما هو ثابت في مكانه، دون أن ينتبه أن التقدم لا يقاس بالسرعة وحدها.

يلفت علم النفس النظر إلى أن الإنسان حين يضع توقعات غير واقعية، يفقد تدريجيا إحساسه بالإنجاز، حتى وإن حقق خطوات مهمة. فالعقل لا يحتفي بما تحقق إذا كان التركيز منصبا على ما لم يتحقق بعد. ومع تكرار هذا النمط، يتحول الطموح من دافع إيجابي إلى مصدر قلق، ويصبح السعي للتطور عبئا بدل أن يكون مساحة نمو.

وفي خضم هذه التوقعات، تظهر فكرة «الجاذبية» بمعناها الإنساني. الجاذبية هنا لا تعني جذب النتائج بسرعة، بل الحالة الداخلية التي يعيشها الإنسان حين يكون منسجما مع نفسه. الأشخاص الأكثر تأثيرا في محيطهم ليسوا بالضرورة الأكثر إنجازا في البدايات، بل الأكثر اتزانا، والأصدق مع ذواتهم، والأقل قسوة على أنفسهم. هذا النوع من الجاذبية لا يبنى بالضغط، بل بالهدوء، ولا يتشكل بالمقارنة، بل بالوعي.

بدايات الأعوام تضعنا أمام سؤال مهم: هل نعيش وفق إيقاعنا الشخصي، أم نحاول التماهي مع إيقاع مفروض من الخارج؟ تطوير الذات، في جوهره، لا يعني إعادة تشكيل النفس كل عام، بل فهمها بشكل أعمق، ومعرفة متى نحتاج إلى التقدم، ومتى نحتاج إلى التوقف، ومتى نحتاج فقط إلى الاستمرار بهدوء.

كثير من الناس يكتشفون، بعد أشهر، أن العام لم يكن بحاجة إلى قرارات كبيرة بقدر ما كان بحاجة إلى نوايا واضحة. نية أن يكون الإنسان أكثر وعيا بخياراته، أقل اندفاعا في محاكمة نفسه، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يريده فعلا، وما يشعر أنه مطالب به اجتماعيا.

ومع الوقت، يتضح أن النمو الحقيقي لا يظهر في الأسابيع الأولى، بل في الاستمرارية. في تلك اللحظات التي تغيب فيها الحماسة، ويظل الإنسان قادرا على المضي بخطوات صغيرة، لكنها صادقة. هنا، يصبح التطور حالة داخلية، لا إعلانا موسميا.

ربما تكون بداية العام فرصة لإعادة تعريف النجاح نفسه. نجاح لا يقوم على ضغط البدايات، بل على وعي المسار. لا يقاس بعدد الأهداف المكتوبة، بل بقدرتنا على العيش باتزان، وعلى بناء علاقة صحية مع أنفسنا، وعلى قبول أن بعض السنوات تبنى بهدوء، لا بضجيج.

فالسنة الجديدة لا تطلب منا أن نكون نسخة أخرى من أنفسنا، بل أن نكون أكثر صدقا معها.

وحين تخف التوقعات، تتسع المساحة للنمو الحقيقي... ذلك النمو الذي لا يحتاج إلى إعلان، لأنه يُشعَر به قبل أن يرى.

الطموح