الرأي

الدور السعودي في منع الانهيار وتحصين الأمن القومي العربي

تركي القبلان


في إقليم تتآكل فيه قدرة الدولة الوطنية وتتحول فيه بعض البلدان إلى ساحات مفتوحة للصراع الأهلي والتدخلات الخارجية، لم يعد التحدي الاستراتيجي يتمثل في كيفية إعادة بناء الدول المنهارة بقدر ما يتمثل في منع انهيارها الكامل، بما يحول دون وقوع التفكك الداخلي وأن يتحول إلى تهديد بنيوي عابر للحدود. ضمن هذا السياق يتموضع الدور السعودي لا بوصفه إدارة تقنية للأزمات ولا كمسعى لفرض حلول نهائية أو نماذج سياسية جاهزة، بل بوصفه دورا تحصينيا وقائيا يستهدف حماية الأمن القومي العربي عبر كبح الانهيارات ومنع ارتداداتها الإقليمية الكارثية، ومن ثم مساعدة هذه الدول على النهوض من جديد.

اليمن والسودان والصومال تمثل نماذج متقاطعة لهشاشة بنيوية عميقة، حيث تآكل احتكار الدولة للعنف الشرعي، وتحولت المؤسسات إلى هياكل شكلية، وأصبحت السيادة الوطنية موضع تنازع بين فاعلين محليين وإقليميين ودوليين. هذه الساحات لا تشكل أزمات محلية معزولة بل نقاط ضعف جيوسياسية يتوقف عليها أمن البحر الأحمر واستقرار القرن الأفريقي وتوازن الجزيرة العربية. انهيار أي منها لا يبقى حبيس الجغرافيا الوطنية بل يتحول إلى تهديد ممتد يشمل تهريب السلاح والجماعات المسلحة العابرة للحدود والقرصنة البحرية، وتمدد القوى الباحثة عن موطئ قدم في الفراغ والفوضى، وفي مقدمتها إسرائيل التي تسعى للنفاذ إلى هذه الفضاءات المفككة لتحويلها إلى أدوات في استراتيجيتها الإقليمية.

تنطلق المقاربة السعودية من فرضية مركزية واضحة: منع الانهيار الكامل شرط لا غنى عنه لتحصين الأمن القومي العربي. فالدولة الهشة مهما بلغت محدودية فاعليتها تظل أقل خطرا من الدولة المنهارة كليا، والكيان المتماسك نسبيا - وإن كان ضعيفا - أقل قابلية للتحول إلى منصة تهديد من الفراغ السياسي والأمني المطلق. بهذا المعنى لا تسعى السعودية إلى معالجة الهشاشة عبر إعادة هندسة البنى السياسية والاجتماعية للدول المأزومة، بل عبر منع وصولها إلى نقطة اللاعودة التي يتحول عندها الانهيار إلى تهديد شامل للمجال العربي. هذا التوجه يعكس وعيا استراتيجيا بأن الأمن القومي العربي لم يعد مجموعة من الأمنيات الوطنية المنفصلة، بل منظومة مترابطة ينعكس فيها انهيار أي حلقة على الحلقات الأخرى بشكل مباشر ومتسارع.

في الحالة اليمنية، شهد الدور السعودي تحولا جوهريا من منطق احتواء القوى المتحالفة بتناقضاتها وتباينات أهدافها نحو المعالجة الضرورة التي ينتج عنها مقاربة وقائية طويلة الأمد تستهدف منع انهيار الدولة اليمنية وتحديد وحدة الهدف. يتجلى هذا التحول بوضوح في ما جرى في حضرموت والمهرة، حيث عملت السعودية على استعادة مركزية القرار الأمني والعسكري بيد الشرعية عبر معالجة حصيفة ومتدرجة لحالة الانقسام التي شهدها الجنوب. هذه المعالجة لم تأت عبر الصدام أو الإقصاء بل من خلال تدخل دقيق يشبه عمل المشرط الجراحي، استهدف معالجة بؤر الانقسام وتوحيد القوى المتفرقة وإعادة توجيهها نحو هدف وطني جامع دون فتح جبهات داخلية جديدة. هذا النهج يعكس قدرة على التمييز بين إدارة التعقيد المحلي وبين الانجرار إلى صراعات جانبية تستنزف الجهد وتضعف المسار التحصيني الأوسع.

وقد أسفر هذا النهج عن بسط سيطرة قوات درع الوطن على كتلة جغرافية استراتيجية في المحافظات الشرقية، كانت تمثل إحدى أخطر نقاط الهشاشة والانكشاف. هذه الخطوة لم تكن إجراء أمنيا معزولا بل جزء من مقاربة تحصينية أوسع هدفت إلى منع نفاذ التدخلات الإقليمية المشجعة للانقسام، وإفشال محاولات تحويل التعدد المحلي إلى أداة تفكيك سياسي وأمني. بهذا المعنى لم يقتصر الدور السعودي على منع الانهيار بل تجاوز ذلك إلى تحصين مسار الدولة اليمنية من الداخل عبر إعادة ضبط ميزان القوى ومنع اختراقه من قبل أجندات تفكيكية سواء كانت إقليمية أو محلية. هذا التحصين الداخلي يمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء قدرة الدولة على احتكار العنف الشرعي وهو الشرط الأول لأي استقرار دائم. كما أن استعادة سيطرة الشرعية على المحافظات الاستراتيجية تمنع تحول اليمن إلى ممر مفتوح للتهديدات الموجهة نحو المملكة أو نحو الملاحة الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب.

في السودان، يتمحور الدور السعودي حول منع انزلاق الدولة إلى انهيار شامل يقود إلى التقسيم ويفتح البحر الأحمر على سيناريوهات عسكرة وتدويل خطيرة. تنطلق الرياض من مبدأ واضح: لا شرعية للسلاح خارج إطار الدولة ولا أمن إقليمي دون جيش موحد ومؤسسات سيادية متماسكة. لهذا تبنت مسار الوساطة والدعوة للحوار السياسي، إدراكا منها أن الانخراط العسكري المباشر لن يعالج جوهر الأزمة بل قد يفاقمها. الموقف السعودي يقوم على رفض شرعنة الميليشيات ورفض تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، مع التركيز على إعادة بناء الإجماع حول مركزية الدولة ومؤسساتها العسكرية والسياسية. غير أن محدودية نتائج محادثات جدة تعكس تعقيد المشهد، لا سيما في ظل تناقض المقاربات الخليجية، حيث تلعب أطراف إقليمية دورا ميدانيا يعمق الانقسام بدل احتوائه وتنحاز لطرف ميليشياوي على حساب الدولة الوطنية ومؤسساتها الرسمية. هذا التناقض يضعف الجهد السعودي ويجعل المسار السياسي أكثر صعوبة لكنه لا يلغي أهمية الموقف السعودي الذي يظل ممسكا بخط واضح: الدفاع عن الدولة السودانية ككيان موحد ورفض تفتيتها، وهذا ما بدأت نتائجه تظهر بوضوح مؤخرا. ولهذا يبقى الدور السعودي موجها نحو إعادة ضبط البوصلة ومنع تفكك السودان ككيان سيادي، لما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على الأمن القومي العربي والأمن البحري للبحر الأحمر. السودان ليس مجرد دولة مجاورة بل عمق استراتيجي عربي وأفريقي، وانهياره سيفتح الباب أمام تنافس دولي حاد على السيطرة على موانئه وموارده مما يحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع دائمة.

أما في الصومال فتتعامل السعودية مع حالة هشاشة مزمنة، حيث الدولة المركزية ضعيفة، وبعض الأقاليم دخلت في حالة شبه استقلالية عن الحكومة الفيدرالية، خصوصا إقليم «أرض الصومال» الذي يتحرك نحو انفصال فعلي بتواطئ إقليمي محدود ودعم إسرائيلي واضح على حساب وحدة الصومال والأمن القومي العربي. يتركز الدور السعودي على دعم الحكومة الفيدرالية ومنع تقسيم الصومال وقطع الطريق أمام تحول الصومال إلى ممر مفتوح للميليشيات والتهريب والاختراقات الأمنية التي تهدد أمن البحر الأحمر والجزيرة العربية. ورغم أن قوى إقليمية أخرى استثمرت بعمق في بناء القدرات العسكرية والاقتصادية داخل الصومال لهدف أبعد، إلا أن الموقف السعودي الناظم لجهود عربية وإسلامية أوسع شكل موقفا صارما ضد تحقيق أجندات التقسيم وقطع الطريق أمام فاعلية التغلغل الإسرائيلي من خلال كيان انفصالي يشكل رأس حربة للمشروع الإسرائيلي في القرن الأفريقي. هذا يعكس اختيارا استراتيجيا سعوديا يركز على التحصين الأمني والسياسي نحو دولة وطنية صومالية موحدة ومحصنة، تشكل في الإطار الأوسع لبنة رئيسية في الأمن القومي العربي الشامل. الصومال ليس قضية أفريقية بحتة بل جزء عضوي من المنظومة الأمنية العربية بحكم موقعه الجغرافي وارتباطه التاريخي والثقافي والقومي بالمجال العربي، وانهياره أو تقسيمه سيعني فتح ثغرة استراتيجية في الدفاعات العربية على البحر الأحمر والمحيط الهندي.

ما يجمع هذه الساحات الثلاث هو أن السعودية تتعامل معها باعتبارها خطوط دفاع متقدمة عن الأمن القومي العربي لا مجالات نفوذ تقليدية. المقاربة السعودية لا تقوم على توظيف الفوضى ولا على تفكيك الكيانات الوطنية، ولا على دعم الميليشيات ضد الدول المركزية، بل على كبح الانهيارات ومنع تحول الهشاشة إلى حالة دائمة قابلة للاستثمار العدائي، والتصدي للفواعل التي تعتقد أنها تلعب في المساحة الرمادية التي لا ترى ولا يتم رصدها. بهذا المعنى فإن منع الانهيار ليس غاية مستقلة بل أداة لتحصين المجال العربي من التفكك الشامل، والقيمة المضافة لهذا الجهد بدأت في تسمية الأمور بمسمياتها: بين من يدعم تحصين الدولة ومن يدعم تفكيكها، من يسعى للاستقرار ومن يستثمر في الفوضى. هذا الوضوح في الموقف السعودي يشكل مرجعية أخلاقية وسياسية في إقليم تختلط فيه الأدوار وتتداخل فيه المصالح، ويسهم في بناء إجماع عربي وإسلامي أوسع حول ضرورة الدفاع عن الدولة الوطنية بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار والأمن.

ومع ذلك يواجه هذا الدور تحديات بنيوية واضحة، أولها الفجوة بين حجم التهديد واتساع الأدوات المتاحة؛ فتحصين الأمن القومي العربي يتطلب منظومة إقليمية أكثر تماسكا وتنسيقا مما هو قائم، ويحتاج إلى قدرات مالية وعسكرية وسياسية تفوق ما تستطيع دولة واحدة توفيره مهما بلغت إمكاناتها. ثانيها التناقض الخليجي الداخلي حيث تتبنى بعض الأطراف مقاربات تقوم على دعم الفاعلين دون الدولة والكيانات الانفصالية والميليشيات المحلية، مما يخلق تضاربا في الجهود ويضعف فعالية أي استراتيجية موحدة. هذا التناقض ليس مجرد اختلاف في التكتيكات بل يعكس رؤى متباينة حول طبيعة النظام الإقليمي المطلوب وهو ما يحتاج إلى معالجة جذرية. ثالثها أن منع الانهيار مهما بلغ نجاحه يظل حالة وقائية لا تنتج استقرارا ذاتيا ما لم تتوافر إرادة داخلية في الدول المأزومة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وإصلاح العقد الاجتماعي الداخلي. السعودية تستطيع منع الانهيار ودعم الشرعية وتوفير الموارد، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة الوطنية الداخلية أو أن تفرض حلولا سياسية دائمة دون توافق محلي حقيقي.

رغم هذه القيود يظل الدور السعودي مختلفا نوعيا عن نماذج إقليمية أخرى تستثمر في الفوضى أو تسعى لفرض الهيمنة القسرية. السعودية تتحرك بمنطق تقليل المخاطر وحماية العمق العربي والنهوض بالدولة المتضررة من داخلها، لا بمنطق المكاسب السريعة أو التوسع النفوذي. هذا الدور ضروري في لحظة إقليمية تتكاثر فيها الانهيارات وتغيب فيها القدرة الجماعية على إعادة البناء. السعودية لا تدعي امتلاك حلول سحرية أو قدرة على إنهاء الأزمات بضربة واحدة، بل تتبنى نهجا واقعيا يقوم على التدرج والصبر الاستراتيجي والعمل ضمن حدود الممكن، مع الحفاظ على ثوابت واضحة: الدفاع عن الدولة الوطنية، رفض الميليشيات، منع التدخلات الخارجية المفككة، ودعم الحلول السياسية التي تحفظ السيادة والوحدة الوطنية.

في المحصلة، يمكن توصيف الدور السعودي بأنه دور «وقائي - تحصيني» يسعى إلى منع الانهيار الكامل للدول الهشة بوصفه أخطر التهديدات للأمن القومي العربي. هو دور يعترف بحدود القوة ويتعامل مع واقع إقليمي شديد السيولة، ويهدف إلى كبح التفكك والحد من انتشاره بالعدوى إلى دول أخرى. وفي بيئة تتنازعها الفوضى والهيمنة يبقى الدور السعودي بمثابة الحصن الذي يحول دون انزلاق النظام العربي إلى حالة تفكك غير قابلة للاحتواء، إذ يمثل الخيار الأكثر اتساقا مع مصلحة الأمن القومي العربي في مواجهة التهديدات الوجودية، والتي لو تركت دون معالجة لتحولت إلى كارثة إقليمية شاملة تمتد تداعياتها لعقود قادمة. ​