العلاقات الفنزوأمريكية والحقول الترامبية
الخميس / 12 / رجب / 1447 هـ - 02:53 - الخميس 1 يناير 2026 02:53
منذ اللحظة التي اكتشف فيها النفط بكميات تجارية في فنزويلا في بدايات القرن العشرين، تشكلت علاقة غير متكافئة بين هذه الدولة الغنية بالموارد والقوى الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة. لم يكن النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح عنصرا مؤسسا للعلاقة السياسية بين الطرفين، حيث رأت واشنطن في فنزويلا خزان طاقة قريبا وآمنا، بينما وجدت النخب الحاكمة في كاراكاس في الشركات الأجنبية مصدر دخل سريع يعوض ضعف الدولة وبنيتها المؤسسية.في تلك المرحلة المبكرة من القرن الماضي منحت الشركات الأمريكية والبريطانية امتيازات واسعة للغاية شملت السيطرة شبه الكاملة على الاستخراج والتكرير والتصدير، مقابل عائدات محدودة للدولة الفنزويلية. كان النفط ينتج على الأراضي الفنزويلية لكنه يدار بعقلية أجنبية ويسعر وفق مصالح الشركات الكبرى، وهو ما خلق فجوة متنامية بين حجم الثروة المنتجة وحصة الشعب الفنزويلي منها. هذا الوضع ولد مع مرور الوقت شعورا متصاعدا بالغبن الوطني، خصوصا مع إدراك النخب الفكرية والسياسية أن فنزويلا تملك ثروة استراتيجية دون أن تمتلك قرارها.مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز موجة عالمية من القومية الاقتصادية، بدأت فنزويلا في إعادة النظر جذريا في علاقتها مع شركات النفط الأجنبية. ظهر جيل جديد من السياسيين والتكنوقراط الذين طالبوا برفع حصة الدولة من الأرباح وفرض سيطرة أكبر على القطاع النفطي. تجلى هذا التحول في تشريعات رفعت الضرائب على الشركات وفي مبدأ تقاسم الأرباح الذي منح الدولة نصف العائدات تقريبا، وهو ما شكل خطوة أولى نحو استعادة السيادة الاقتصادية دون الوصول بعد إلى القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة.التحول الحاسم جاء في سبعينيات القرن الماضي في سياق دولي تميز بصعود منظمة أوبك وارتفاع أسعار النفط وتنامي ثقة الدول المنتجة بقدرتها على التحكم في مواردها. في هذا المناخ اتخذت فنزويلا قرارها التاريخي بتأميم صناعة النفط بشكل كامل، وهو قرار لم يكن وليد لحظة انفعالية بل ثمرة سنوات من النقاش البرلماني والتخطيط القانوني والتفاوض مع الشركات الأجنبية. التأميم لم يقدم داخليا كعمل عدائي ضد الولايات المتحدة بقدر ما قدم باعتباره استعادة لحق سيادي طال انتظاره، وتأكيدا على أن النفط مورد وطني لا يجوز أن يبقى خاضعا لإدارة خارجية.عند تنفيذ التأميم انتقلت ملكية جميع الأصول النفطية إلى الدولة الفنزويلية التي أنشأت شركة النفط الوطنية لتتولى إدارة القطاع بكامله. جرى التفاوض على تعويضات للشركات الأجنبية وفق آليات قانونية معترف بها دوليا، ما ينفي فكرة المصادرة غير المشروعة التي روج لها لاحقا في الخطاب السياسي الأمريكي. من منظور القانون الدولي كان هذا الإجراء متسقا مع مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، الذي أصبح قاعدة مستقرة في النظام الدولي، وهو المبدأ الذي يمنح الدول الحق الكامل في التحكم بثرواتها بما يخدم مصالحها الوطنية.رغم ذلك شكل التأميم صدمة استراتيجية للولايات المتحدة التي اعتادت لعقود على نفوذ اقتصادي واسع في قطاع النفط الفنزويلي. صحيح أن واشنطن لم تفقد تماما علاقتها بالنفط الفنزويلي، إذ استمرت الشركات الأمريكية في العمل لاحقا عبر صيغ شراكة وخدمات، إلا أن مركز الثقل انتقل من يد المستثمر الأجنبي إلى يد الدولة الوطنية. منذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف يدور حول إدارة تقنية أو عوائد مالية فقط، بل أصبح صراعا على القرار السياسي والاتجاه الأيديولوجي لفنزويلا.تعمق هذا الصراع مع صعود التيار البوليفاري بقيادة هوغو تشافيز الذي أعاد تعريف النفط باعتباره أداة سيادة واستقلال لا مجرد مورد اقتصادي. استخدمت العائدات النفطية في برامج اجتماعية، وترافق ذلك مع خطاب صدامي ضد الهيمنة الأمريكية، ما دفع واشنطن إلى التعامل مع فنزويلا باعتبارها نموذجا مقلقا في محيطها الإقليمي. منذ ذلك الحين بدأت العقوبات والضغوط السياسية تتخذ طابعا أكثر صراحة، وتحول النفط مرة أخرى إلى ساحة مواجهة، ولكن هذه المرة عبر الحصار والتجفيف المالي بدل السيطرة المباشرة.في هذا السياق عادت إلى الواجهة مزاعم تتحدث عن أحقية أمريكية تاريخية في النفط الفنزويلي بحجة أن الشركات الأمريكية هي من طورت القطاع في بداياته. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الاستثمار لا يخلق سيادة، وأن تطوير الموارد لا يمنح الدولة الأجنبية حق امتلاكها إلى الأبد. ما جرى في فنزويلا لم يكن سابقة استثنائية، بل جزء من مسار عالمي شهدته دول كثيرة استعادت السيطرة على مواردها بعد عقود من الامتيازات غير المتكافئة.يمكن القول إن قصة النفط في فنزويلا، وخاصة لحظة التأميم، تكشف جوهر الصراع بين منطق الدولة الوطنية ومنطق القوة الاقتصادية الدولية. فالولايات المتحدة لم تمتلك يوما حقا قانونيا في آبار النفط الفنزويلية، لكنها امتلكت نفوذا واسعا حين كانت موازين القوة تميل لصالحها. وعندما تغيرت هذه الموازين وقررت فنزويلا ممارسة سيادتها الكاملة، تحول النفط من رمز للتعاون الاقتصادي إلى عنوان للصراع السياسي. وفي هذا التوتر المستمر تتجسد حقيقة أن معارك النفط ليست حول الملكية فقط، بل حول من يملك القرار ومن يحدد مستقبل الثروة.MBNwaiser@