الرأي

جودة حياة رواد الصناعة قبل الامتثال

زهير ياسين آل طه
الامتثال والطاعة والخضوع والانقياد كلمات مترادفة في المعنى، وارتباطها مع القوانين واللوائح يعد أمرا بالغ الأهمية في الحياة العملية والتصرفات والسلوك بشكل قانوني لتجنب العقوبات المحتملة والمطبقة على جميع الأطراف، تبدأ بالطرف الأقوى وهو المنشأة المسؤولة أولا عن مصادرها وقيمها ونشر وتوعية واضحة لمنتسبيها الموجهين توجيها للالتزام بالقوانين واللوائح الثابتة والمحدثة.ومن خلال مروري على موقع الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت»، لفت نظري ملف دليل فوائد الامتثال للقوانين واللوائح وما احتواه من معلومات ثرية وبشكل متسق ومبسط، وهو كما توضح بمثابة أداة منهجية لمساعدة المنشآت في الفهم والتنفيذ والحفاظ على الامتثال لمختلف اللوائح والمعايير، وأنه ضمنيا يوفر خارطة طريق استرشادية غير ملزمة للمنشآت مع منتسبيهم للتنقل بيسر وتوجيه عبر المشهد المعقد للقوانين واللوائح التي تنطبق على عملياتها ونطاق عملها، ومنها الصحة والسلامة المهنية التي تهم بالتماثل لا للحصر منتسبي المنشآت الكبيرة أيضا كصناعة الطاقة والبتروكيماويات والأسمدة «المغذيات» «والحديد» والإسمنت، المتأثرين وبالخصوص روادهم ومتقاعديهم من غياب القوانين والمواصفات الصريحة بداية حياتهم المهنية.ويتوجب على صاحب العمل صغيرا كان أم متوسطا أم كبيرا أن يمتثل ويعتني ولا يخفي ولا يراوغ في اتباع القوانين واللوائح إذا أخطأ في إيصالها وتطبيقها ومراقبتها على منتسبيه للتهرب والخروج من الحرج والعقاب، ويوجد حالات في التنصل من المسؤولية في الحوادث المهنية الخطيرة وتعقيدها في تقييم «الأمراض المهنية المقرة من قبل التأمينات الاجتماعية» وفي القضايا الحقوقية العمالية التي تستوجب التعويضات، و»الانتقال» من عمل لآخر أو للتقاعد له قوانينه وتشريعاته بما يرتبط بالأمراض المهنية وإلزام المتسبب الرئيس «وامتثاله» بتحمل المسؤولية.«الانتقال والامتثال» هما عمليتان مهمتان في مسيرة حياة الإنسان العملية في الحفاظ عليه صحيا «بدنيا ونفسيا» وقانونيا، ومعيشيا، لينطلق نحو المشاركة والاستفادة من مقومات «جودة الحياة»، وتتأثر جودة الحياة بمقومات مختلفة مثل القدرة على التفكير واتخاذ القرارات، والسيطرة على حياة الفرد، والصحة الجسدية والعقلية والنفسية، والظروف المعيشية، والعلاقات الاجتماعية، والمعتقدات الدينية، والقيم الثقافية والحضارية، والأوضاع المالية والاقتصادية، وتلعب هذه المقومات دورا حاسما في تحديد سعادة الفرد ورضاه في الحياة، ومن الضروري لكل شخص أن يعطي الأولوية لما هو أكثر أهمية بالنسبة له من أجل تحقيق حياة مرضية.المتتبع للسلامة والصحة المهنية يلحظ من قريب ورود لفظ «الامتثال» بشكل مهم جدا في كلمة المهندس أحمد الراجحي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية في المؤتمر الدولي السادس للسلامة والصحة المهنية، تحت شعار «استكشاف الأفق» الذي نظمه المجلس الوطني للسلامة والصحة المهنية بمدينة الرياض، خلال الفترة المنصرمة من 5 إلى 7 مايو 2024، حيث شدد على أهمية تحسين معايير السلامة والصحة المهنية في المملكة، مع التركيز على خلق بيئة عمل آمنة وصحية لأكثر من 13 مليون عامل من جميع الجنسيات، وضرورة التعاون بين الوزارات والقطاع الخاص لضمان أعلى معايير السلامة لأكثر من 1.2 مليون عامل، وقد ارتفعت حسب تصريحه نسبة «الامتثال» بمعايير السلامة والصحة المهنية من 15% إلى 73% خلال السنوات الست الماضية، داعيا الوزير إلى استخدام التكنولوجيا المتقدمة والابتكارات الجديدة لتعزيز السلامة والصحة المهنية، فضلا عن دعم الحلول التقنية في تحسين البيانات وتحليل المخاطر وتعزيز إجراءات الوقاية.تقييمي لكلمة الوزير يفهما بوضوح المتخصصين ومنتسبي الصناعة في ربط ارتفاع نسبة «الامتثال» الذي أشار اليها الوزير الراجحي خلال ست سنوات من عام 2018 مرورا بجائحة وباء الكورونا بمواصفتين عالميتين: الأولى: الصحة المهنية وسلسلة تقييم السلامة OHSAS 18001: 1999. والثانية: أنظمة إدارة الصحة والسلامة المهنية – المتطلبات مع إرشادات الاستخدام ISO 45001:2018، والفرق الرئيس بين المواصفتين هو أن ISO 45001 تتخذ نهجا استباقيا يتطلب تقييم المخاطر ومعالجتها قبل أن تسبب حوادث وإصابات، في حين تتخذ OHSAS 18001 نهجا تفاعليا يركز فقط على المخاطر وليس الحلول، وقد أصبحت مواصفة OHSAS 18001 قديمة مهملة منذ سبتمبر من عام 2021 ولم تعد صالحة للاستخدام، واستعيض عنها بمعنى «الانتقال» بمواصفة ISO 45001 التي أصدرت عام 2018 نظرا لنطاقها الأكثر تحديثا والأوسع.التحليل الذي نريد الوصول اليه لمفهوم «الامتثال» بعد ما طرحنا المواصفتين وارتباطهما بتاريخ الإصدار 2018 و»الانتقال» في عام 2021؛ فقد خلصنا باختصار بوضع علامات استفهام قانونية تسبقها الإنسانية والتقدير عن طبيعة تحمل المنشآت الصناعية والتأمينات الاجتماعية مسؤولية تبعات عدم «الامتثال» قبل «الانتقال» المعني بالست سنوات وما قبلها رجوعا بالزمن لبدايات الصناعة والطاقة، وربط الأنظمة واللوائح والقوانين وتطويعها للتعويض بفرض تأمين العلاج مدى الحياة للأمراض المهنية المباشرة منها والكامنة التي تنخر في أجساد الرواد والمتقاعدين من تبعات تطبيق مواصفة OHSAS 18001 أو من عدم وجودها أصلا قبل عام 1999.معلومة كمثال حي للانتقال والامتثال: رواد حديد المتقاعدين هم رواد سابك شرعا وقانونا لأسباب كثيرة، وبعد صفقة بيع شركة حديد لصندوق الاستثمارات عاشوا في حافة الفوضى edge of chaos، وهي فترة «انتقال» من عدم الاستقرار المحدود بين النظام والفوضى والتي تولد تفاعلا ديناميكيا مستمرا بين النظام والفوضى، وقد تمخض عنه للأسف وبعيدا عن الإبداع المتمخض من الديناميكا سقوطهم في الفوضى والبقاء فيها في متاهة الرجوع لأي من الطرفين، وعالميا تعتبر صناعة الحديد والصلب من أشد الصناعات خطورة على السلامة المهنية والمؤثرة على الصحة والمناخ والبيئة، وقد تلاشت كثيرا المخاطر بعد تطبيق المواصفات والامتثال بها من قبل سابك بشدة وبقي من بقي من المتأثرين قبل الامتثال ومن سيتبعهم من الكوامن، وتتجه الأنظار مستقبلا لاستبدال استخدام الغاز الطبيعي في العملية الصناعية للصهر وغيره من تفاعلات بالهيدروجين الأخضر لتقليل انبعاثات الكربون، إلا أنه لا يزال الهيدروجين الأخضر أعلى تكلفة بكثير.zuhairaltaha@