شعراء انتحروا في القرن العشرين ليعيشوا في الحادي والعشرين
«مئة وخمسون شاعرا وشاعرة، انتحروا في القرن العشرين، مئة وخمسون صرخوا أو همسوا: «كفى» وسبقونا إلى الضفة الأخرى، على رؤوس أصابعهم عبروا، كي لا يوقظوا خوفهم فينتبه ويتحوّل، على رؤوس أصابعهم، لأن الحزن خفيف، هو الحزن الخفيف
الأربعاء / 4 / جمادى الأولى / 1435 هـ - 00:45 - الأربعاء 5 مارس 2014 00:45
«مئة وخمسون شاعرا وشاعرة، انتحروا في القرن العشرين، مئة وخمسون صرخوا أو همسوا: «كفى» وسبقونا إلى الضفة الأخرى، على رؤوس أصابعهم عبروا، كي لا يوقظوا خوفهم فينتبه ويتحوّل، على رؤوس أصابعهم، لأن الحزن خفيف، هو الحزن الخفيف. نعم، مئة وخمسون، في القرن العشرين، انتحروا. من ثمانية وأربعين بلداً، من جهات الأرض الأربع، احتقروا، بعشرين لغة مختلفة»، بهذه الكلمات افتتحت الشاعرة والمترجمة اللبنانية جمانة حداد كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك» تحصي فيه انتحار نحو 150 شاعرا في القرن العشرين، بينهم 15 شاعراً عربياً، من لبنان والسودان ومصر والأردن والعراق والجزائر والمغرب وسوريا، منهم أنطوان مشحور وخليل حاوي من لبنان، عبدالرحيم أبو ذكرى من السودان، عبدالله بو خالفة من الجزائر، ومحمد منير رمزي من مصر وكريم حوماري من المغرب. وانتحار الأدباء والمفكرين والمثقفين ربما يرتبط بوعيهم الفائق، أو حسهم المرهف، ولكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، لأن هناك كثيرا من الأسئلة والأسرار تتردد حول إقدامهم على تنفيذ القرار الصعب، ورغم أن ظاهرة الانتحار قديمة إلا أنها تتجدد في كل زمان، لتبقى الأسئلة مفتوحة إلى أزمان أخرى قادمة، فتلك الشخصيات التي قررت الانتحار تمتلك القدرة العقلية وعمق التفكير، ولها نصيبها الكبير من الشهرة والأضواء، لتأتي خاتمة بعضهم في ورقة أو لوحة تشكيلية أو رواية، لربما توجد فيها أسئلة على اختيار الانتحار «وهو يبتسم» وما زلنا نحن والأجيال القادمة نعشق ونبحث ونكتب عن أشعارهم في القرن الحادي والعشرين. يقول الشاعر اللبناني وليد حرفوش عن الشاعر اللبناني خليل حاوي: «قسوة النشأة، شظف العيش، حالة السوداوية التي كانت تعتريه، انهيار الأحلام وفقد الأمل بالمستقبل، الفشل في الحب، جميعها مؤثرات أججت فكرة الانتحار وكرستها في أعماقه وجعلتها فكرة واردة التطبيق، خاصة أنه أقدم على الانتحار ثلاث مرات في حياته قبل أن يسدد بندقيته على عينه اليسرى ويفجر رأسه الذي أنهكه بوعيه وعبقريته وسوداويته وأوهامه التي جعلته ينهار ويعتزل الناس، حيث حانت اللحظة الأكثر إحباطا عندما أنهى حياته على شرفة منزله في بيروت، عند دخول جحافل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت العاصمة العربية التي ينطلق منها الفكر العروبي، ويجد كل ما ناضل من أجله طيلة حياته كباعث ومحرض للنهوض العربي، ينهار أمامه في صمت وهوان عربي لم يتوقعه ولم يخطر له في بال، وانعدام الأمل بإمكانية التغيير بعد الانهيار الكبير الذي رآه بأم عينه، فكان القرار الحاسم في اللحظة التاريخية الحاسمة في شهر الهزائم والخيبات «حزيران 1982» أن أطلق النار على نفسه ليفجر عقلا أنهكه الوعي وشغف الانتماء والإيمان بالقضية، ليُخجِلَ أمامه عقلا عربيا غارقا في ظلمات الهزائم والاندحار والغيبوبة. إن الايمان بقضية مهما كانت سامية وعادلة ومحقة إلى حد التماهي بها يفضي في كثير من الأحيان إلى النهاية التي بلغها خليل حاوي».
يَعبرونَ الجِسرَ في الصبحِ خفافًا
أَضلُعي امتَدَّتْ لَهُم جِسْرًا وطيدْ مِن كُهوفِ الشرق،
مِن مُستنْقعِ الشَرقِ إِلى الشَّرقِ الجديدْ
أَضْلُعي امْتَدَّتْ لَهُم جِسرًا وطيدْ
«من قصيدة الجسر للشاعر خليل حاوي».
من جهته، يتحدث الشاعر والناقد المصري عبدالله السمطي عن أحد الشعراء المصريين الذين اختاروا الانتحار وهو الشاعر محمد منير رمزي، الذي عاش حياة قصيرة جدا، أنهاها بالانتحار في سن العشرين، حيث عاش خلال الفترة من 1925إلى1945 وحقق ديوانه الوحيد الروائي الخراط صديقه وصدر بعنوان «بريق الرماد» عن دار شرقيات. انتحر الشاعر بسبب حالة الإحباط والانكسار والألم التي عايشها في تجربة حب مفتقدة ونصوصه تحمل الكثير من التعبير عن الألم، عاش حياته القصيرة في الإسكندرية وعبر عن ذات محبطة بائسة افتقدت أحلامها. ويضيف السمطي، حين يقول الشاعر محمد:»أنا ما أنا لا شيء، مخلوق تتجاذبه الأحزان، وترتبط على صخرة قلبه» يبدو أن مرحلة الثلاثينيات والأربعينيات وما حولها في القرن العشرين كانت تعبر عن حالات، فقد ذوت فيها قلوب الشعراء الرومانسيين مثل الشابي ومحمد عبدالمعطي الهميشري وعلي محمود طه وآخرين. ويؤكد السمطي أن الانتحار إحساس عارم بالفقد والضياع وانكسار الحلم، والشعراء الوجدانيون كانوا أكثر إحساسا وحساسية بالعالم.