الرأي

دورة الزمن لا تقف

مرزوق بن تنباك
كل شيء يمكن أن يقف عند نقطة يحددها المرء، يمكن أن يوقف مشروع العمل الذي يريد أن يعمله، أو يؤجل البحث عن الوظيفة، ويمكن أن يوقف مشروع بناء البيت أو البدء بالتجارة، ويمكن أن يوقف كل نشاط يقوم به فترة من الوقت ثم يعود إليه عند الفراغ له ويستأنفه، ولا يفوت عليه شيء ذو بال في كل ما توقف عنه في حال من الأحوال إلا دورة الزمن فهي دائمة مستمرة لا تقف ولا تنتظر، ولا يمكن العودة إليها عند الفراغ لها كما يحصل في غيرها من مشاريع الحياة وأغراضها.ولهذا يكون الزمن حاسما فيما يعمل الإنسان بداية عمره الذي يسير سيرا لا يستطيع التوقف فيه ولا مراجعته ولا استئنافه من مكان توقفه كغيره من شؤون الحياة وأغراضها.

ولهذا تكون بدايات الإنسان شابا عاملا حاسما في مستقبله وقراراته المصيرية في مرحلة من عمره لو تجاوزها لصعب عليه بعد ذلك العودة إليها واستئناف العمل بها دون ضرر يلحق مستقبله، والشباب فيما بين الثامنة عشرة حتى الثلاثين من العمر أحوج ما يكونون إلى الوعي بالمتغيرات لا سيما ما يتعلق بالتعليم والشهادات والعمل والتخطيط السليم للمستقبل.

قبل سنوات قليلة ماضية كانت الشهادة والحصول عليها في أي موضوع بابا مفتوحا للوظيفة في الحكومة، وكان الطلب عليها هو الدافع للتعليم لدى كثير من الناس وقلما ينظرون إلى المهارة المكتسبة والإجادة للتخصص على أنها مهمة كمهمة الشهادة نفسها.

وفي الماضي كان يكفي طالب الوظيفة أن يقدم ورقة الشهادة لينال مكانه في ترتيب الأولويات الوظيفية التي قد لا تتأخر كثيرا، وقد لاحظ المهتمون في التعليم وجهات التوظيف في الآونة الأخيرة فوارق كبيرة بين شهادة التخصص وبين الضعف الظاهر في معرفة الطلاب وإجادة ما تعلموه، وهذا الضعف جعل الاعتماد على الشهادة نسبيا مما اضطر جهات التوظيف لوضع مقاييس غير الشهادة، ووضع اختبارات موازية يثبت الطالب فيها قدرته من عدمها كاختبار القياس المعرفي وغيره من الوسائل التي حلت محل الثقة المطلقة في الشهادة.

وقد أثبتت هذه القياسات أن الشهادات لم تعد تعبر عن حقيقية اكتساب الطالب للمعرفة التي يجب أن يتخرج فيها من الجامعة، وهنا يجب أن يعرف الذين يدرسون من أجل الحصول على الوظيفة ألا تكون الشهادة هي هدفهم بل تكون المعرفة لذات المعرفة بغض النظر عن مصدر المعرفة إن كان الشهادة أو كان الحرفة والخبرة والممارسة.

وأظن أن كثيرا من الذين يحملون الشهادات الجامعية وبقوا عاطلين منذ سنوات قد أدركوا أنهم لو توجهوا منذ تخرجهم من التعليم العام إلى الأعمال التي يحسنونها ويميلون إليها ومارسوها عمليا بعد تخرجهم من التعليم العام لكان وضعهم أفضل من انتظار الوظيفة التي يحلمون أن الحصول على الشهادة الجامعية يحققها لهم.

والواقع أن العدد الكبير من الطلاب الذين يتوجهون إلى التعليم العالي وهم غير مؤهلين له ولا قادرين على الإبداع والتميز فيه يضيعون على أنفسهم سنوات جميلة من حياتهم، كان الأولى أن تكون هذه السنوات التي يقضونها على مقاعد الدراسة قد قضوها في أعمال حرة يستفيدون منها وتخصصات مناسبة لقدراتهم وميولهم كالتخصصات الفنية والدبلومات المهنية التي تساعدهم على هضم موضوعات قصيرة محددة ومختصرة قد تعود عليهم بما هو أفضل من انتظار الوظيفة التي قد يطول انتظارها وقد لا يحصلون عليها في نهاية المطاف.

Mtenback@