الرأي

سجال المصلحة السياسية في النفط

صهيب الصالح
في الخامس من أكتوبر أقر تكتل أوبك+ أكبر خفض في الإنتاج منذ جائحة كورونا بواقع مليوني برميل بما يمثل 2% اعتبارا من شهر نوفمبر المقبل، وهو قرار أشعل سجالا حول المصلحة السياسية في سوق النفط، إذ جاءت التصريحات الرسمية من أعضاء منظمة أوبك بعد هذا القرار لتؤكد على أن الهدف الرئيس منه هو ضبط سوق النفط، وليس استهداف أسعار محددة أو تبني مواقف سياسية، ومن المهم قبل الحديث عن حجج الأطراف الأخرى في هذا السجال، الإشارة إلى أن بيان أوبك+ أظهر بأن السعودية وروسيا ستتحملان الحصة الأكبر من خفض الإنتاج، ورغم ذلك أثار هذا القرار موجة احتجاج في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بحجة أنه قرار منحاز إلى صالح كفة روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وكانت وزارتا الخارجية والطاقة الأمريكيتان قد أجرتا خلال الأيام السابقة لاجتماع دول منظمة أوبك في فيينا اتصالات مكثفة مع مسؤولين في بعض الدول الأعضاء في المنظمة لحثهم على التصويت ضد خفض إنتاج النفط، إلا أن اجتماع فيينا جاء بخلاف ملتمس الإدارة الأمريكية.

إن ما تقوم به الدول المحتجة ردا على قرار الخفض، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما هو إلا محاولة لعسكرة منظمة أوبك والدول الأعضاء فيها، وهذا ما سيؤدي إلى تسييس سوق الطاقة بحيث يجد نفسه مكرها على تجاهل القانون الاقتصادي القائم على تحقيق التوازن وفق مبدأ العرض والطلب وبالتالي يحدد على إثره كميات الإنتاج دوريا، ليذهب السوق بدلا عن ذلك إلى موازنة فكرة الانحياز السياسي التي ستقوده إلى الإغراق بكميات تحقق تجفيفا لمنابع الاقتصاد الروسي لتلبي رغبات السلطات الغربية فقط، لكن دون التفكير بعواقب إنهاء تعاون منظمة أوبك مع روسيا الذي من شأنه أن يضع السوق على كف عفريت، إذ سيكفل خروج النفط من سيطرة المنظمة والدول المنتجة على ضبط كميات الإنتاج وحدود الأسعار لصالح المستهلكين الغربين وشركات الطاقة العالمية، لتعود صناعة النفط إلى ما قبل سبعينيات القرن الماضي، لكن يكفي أن التكتل ما زال يعمل جيدا حتى الآن رغم ما أحدثه التعقيد الغربي للسوق من خلال إقراره حظرا على النفط الروسي وطرحه فكرة تحديد سقف لأسعاره.

إن اصطفاف منظمة أوبك في هذا الاستقطاب سيرتد ضدها على المدى المتوسط وربما على المدى القريب أيضا، ومن الواضح أن تكتل أوبك+ يعي ذلك جيدا من خلال ما يظهره من إرادة مستقلة صلبة وحسن إدارة ومراقبة لهذا الملف حتى قبل بدء المواجهة الروسية الأوكرانية، وهذا ما قد يدلل على أن قرارات التكتل هي ناتجة عن مناقشات جادة حول عدد من العوامل المؤثرة على الطلب، مثل احتمالية استمرار الإغلاق في بعض الأسواق كالسوق الصيني، وقرارات البنوك المركزية المتكررة برفع أسعار الفائدة، ونقص الإمدادات، والركود والتباطؤ الاقتصادي وغيرها مما قد يتسبب في هبوط الطلب على النفط.

ولهذا السبب تطابق تصريح وزير الخارجية السعودي مع موقف تكتل أوبك+ بأن قرار التكتل كان تقنيا ومبنيا على رؤيته للسوق ولم يكن قرارا سياسيا ينظر فقط إلى الحساسية الغربية لكل ما هو مرتبط في روسيا، فأكد الوزير بأننا لا ننظر إلى أي تفسيرات سياسية تتعلق بهذا القرار «الاقتصادي» الذي اتخذ بإجماع كافة الأعضاء، ويكفي القول هنا، أي عن إجماع الأعضاء، بأن أعضاء المنظمة ليسوا أطرافا في الأزمة الأوكرانية، بل إن مواقفهم منها قد تختلف إلى درجة التباين، ورغم ذلك هم جميعهم متمسكون بنفس المسافة من مقاربة التعاون مع روسيا في إطار إنتاج النفط؛ وهذا يمكن تفسيره في معرفتهم بالوزن الحاسم للبراميل الروسية في إجادة ضبط السوق.

إذن من غير المنطقي أن يدور أي حديث عن قرار الخفض خارج إطار أمن الطاقة والنقاشات الاقتصادية، لا من منظور التحالفات الجيوسياسية التي تحاول فرز جميع دول العالم وفق المواقف والإجراءات المضادة لروسيا فقط، ولا حتى من منظور العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة مثلا وبين أي دولة عضو في التكتل، كما هو حاصل الآن من بعض سياسيي الولايات المتحدة الديمقراطيين تجاه المملكة، وعلى رأسهم الرئيس بايدن؛ فإن كان من قرار لمراجعة العلاقات الأمريكية مع دولة ما إزاء هذا خفض الإنتاج فلابد أن تشمل هذه المراجعة كافة الأعضاء المجمعين على الخفض، وإلا فإن حجة المصلحة السياسية ترتد وظيفيا على اتهام الأمريكان للآخرين بها، وقد كان بيان وزارة الخارجية السعودية حاسما في الرد على هذه الاحتجاجات، مبينا أن الاقتراح الأمريكي كان يدور حول تأجيل القرار إلى الشهر القادم، أي ما بعد الانتخابات النصفية التي تعد اختبارا لبايدن وحزبه في منتصف الفترة الرئاسية؛ كونها تتأثر بعاملي شعبية الرئيس وحال الدولة الاقتصادية، وهذه المواقف مجتمعة توضح جليا للمتابعين أنها هي فقط المدفوعة بالمصلحة السياسية الفجة، وليس قرار الخفض نفسه.

9oba_91@