الرأي

دار الحديث المكية

عيد الفايدي
التعليم العام أو التعليم العالي في كل مراحله وأنواعه لم يكن منتشرا في فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، ولم يكن هناك أي دعم حكومي له ليس في المنطقة العربية بل في كل أنحاء العالم، والتعليم مهما كان نوعه فهو ثابت ومتغير، ثابت بهدفه وأهميته والحاجة إليه ومتغير حسب الظروف والمتغيرات المحيطة؛ فالتعليم في الماضي ليس هو الحال الآن.. والأمة في كل زمان بحاجة للتعلم والتعليم.

وخلال تلك العقود الزمنية الماضية كان عدد الجامعات في المنطقة العربية لا يتجاوز العشر جامعات وكل جامعة لها أهدافها واتجاهاتها الخاصة بها ففي القاهرة هناك جامعة الأزهر العريقة والتي كانت تهتم بكل مراحل التعليم وصولا للتعليم العالي، وفي بيروت هناك الجامعة الأمريكية التبشيرية والتي أنشئت عام 1866م، وهناك جامعة ثالثة مختلفة تماما أنشئت في مدينة القدس تحت اسم الجامعة العبرية عام 1918م، وعندما تتصفح المصادر لمعرفة بدايات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية تشير تلك المصادر لعام 1369هـ وهو العام الذي فتحت كلية الشريعة بمكة المكرمة أبوابها، لكن إذا تتبعت بدايات التعليم العالي في عهد الملك عبدالعزيز تجده قد سبق ذاك التاريخ بعقدين من الزمن.

فالتعليم العالي في تلك الحقبة الزمنية له نماذج مختلفة عن الوقت الحالي.. فقد كان هناك النموذج الإنجليزي للتعليم العالي سائدا في الهند وتأثرت به الأقليات المسلمة في الهند وهناك نموذج آخر يتمثل بجامعة الأزهر في مصر، وفي الهند ومصر تجد التعليم العالي مرتبطا بسنوات التعليم العام وعندما وصل الشيخ أحمد الدهلوي - رحمه الله تعالى - إلى المدينة المنورة طلب من الملك عبدالعزيز - رحمه الله - عام 1350هـ فتح دار الحديث المدنية لتدريس علوم القرآن الكريم والحديث النبوي وكانت في تلك الدار ثلاث مراحل تعليمية منها المرحلة العالية وهي المرحلة الجامعية أو مرحلة التعليم العالي.

أما في مكة المكرمة فقد وصل إليها الشيخ أبو السمح قادما من مصر والذي تفقه في جامعة الأزهر فكلفه الملك عبدالعزيز إماما للحرم المكي ووافق الملك عبدالعزيز على طلبه بفتح دار الحديث المكية عام 1352هـ، والتي فيها ثلاث مراحل تعليمية منها المرحلة التي تسمى المرحلة العالية والتي كانت تمثل التعليم الجامعي أو العالي.. وقد صدرت موافقة -جلالته- على افتتاح دار الحديث المكية بالخطاب رقم 65 في 1352/2/3 وبدأت الدراسة بها في يوم 1352/3/12هـ.

ووضح جلالة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في خطابه إلى الشيخ عبدالظاهر أبو السمح الهدف من الدار بأنه يعلم فيها الحديث والفقه وبالأخص فقه الإمام أحمد وعدم الإعابة على أحد الأئمة؛ فهذا نحن ممنونون فيه ونوافق عليه، فإن كنت تخشى أن يصير اعتراض أو كلام يشوش الأمة كلها فهذا لا فائدة فيه، فأنت يجب عليك تتراجع مع الشيخ عبدالله بن حسن في ذلك وتنظرون في الأصلح وتقررون قرارا أعتمد عليه ونحن نساعد في كل شيء، وفعلا بدأت الدراسة بفصلين وعدد الطلاب 23 طالبا وكانت الدراسة على مرحلتين الصف الأول التمهيدي ويدرس الطالب مبادئ العلوم في الحديث والفقه والتفسير والتوحيد والعلوم العربية ومبادئ العلوم الرياضية والاجتماعية وغيرها. والصف الثاني العالي ويدرس الطالب علوم الحديث من الأمهات الست وأصول الحديث والتفسير واللغة العربية، وهذه الكتب هي التي تدرس الآن في المرحلة الجامعية.

وتميزت فترة إدارة الشيخ عبدالظاهر أبو السمح -رحمه الله تعالى- بوجود خطة تعليمية للدراسة مدة الدراسة سنتان موضحا فيه المواد الدراسية التي يقوم بتدريسها علماء أفاضل للتدريس في الدار مثل الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة، والشيخ محمد عبدالعزيز المانع -مدير المعارف سابقا- والشيخ محمود شويل والشيخ عبداللطيف أبو السمح والشيخ محمد سلطان معصوم، وبموافقة من الملك عبدالعزيز أصبح مقر الدراسة في مبنى دار الأرقم بن أبي الأرقم الذي يتألف من أربعة أدوار ويقع بجوار المسعى، قبل توسعته ولكن ذلك المبنى هدم في مشروع توسعة الحرم المكي.

ومع مرور السنوات زاد عدد الفصول والطلاب وعدلت الخطة الدراسية وزيدت مواد أخرى ليشمل أربعة فصول دراسية وتم تقديم إعانة مالية من وزارة - المعارف في ذلك الوقت - بمبلغ خمسة آلاف ريال سنويا زيدت إلى عشرين ألف سنويا مع إعارتها اثنين من المدرسين، وفي عام 1389هـ اجتمع مجلس إدارة دار الحديث المكية برئاسة فضيلة الشيخ عبدالله خياط -رحمه الله تعالى- وقرر المجلس تطبيق مقررات المرحلة المتوسطة الذي تسير عليه دار الحديث المدنية بالمدينة المنورة، وتم انتقال دار الحديث المكية إلى مبنى وقف دار الحديث الخيرية والذي يقع في أجياد، واستمرت الدراسة فيه إلى عام 1397هـ، ودار الحديث الخيرية التي هي موجودة الآن في مبان مستقلة كانت جزءا من نظام التعليم في الدار وكانت تمثل المرحلة العالية أو التعليم العالي، وهذا التغيير مثل التغيرات التي كانت في الإدارة والخطة الدراسية والمقررات الدراسية والنظام الداخلي.. ولا يستغرب المتصفح لشبكة المعلومات والزائر للموقع الالكتروني لدار الحديث المكية والموقع الالكتروني لدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عن تشابه المعلومات بل وتطابقها.

ثم انتقلت دار الحديث المكية إلى مبنى مستأجر يتكون من أربعة أدوار ويقع في حي الروضة، واستأجر مبنى قريب منه ليكون سكنا للطلاب.

وخلال العام الدراسي 1401/1400ھـ انتقلت الدار إلى مبنى آخر أما في عام 1407هـ فقد انتقلت إلى المبنى الحالي والذي يقع في حي الرصيفة أول طريق جدة السريع وقد تم تنفيذ مشروع المبنى الجديد بشراء أرض مساحتها 3577م تقع في حي الرصيفة، حيث استخرج تصريح للإنشاء عام 1404هـ ثم قامت مؤسسة وطنية بإنشاء المبنى والذي تكون من المبنى الدراسي وفيه دور أرضي به مسجد كبير تقام فيه بعض الأنشطة وثلاثة أدوار متكررة، الدور الأرضي، والدور الأول الذي يضم ستة فصول دراسية وثمان مكاتب إدارية، والدور الثاني فيه ستة فصول دراسية وسبعة مكاتب إدارية، أما الدور الثالث فيه أربعة فصول دراسية وهناك مبنى سكن الطلاب وفيه دور أرضي وثلاثة أدوار متكررة، ففي الدور الأرضي مطعم للطلاب، أما بقية الأدوار فكل دور يتكون من ست عشرة غرفة كل غرفة مجهزة لأربعة طلاب.

دار الحديث المكية بمكة المكرمة ودار الحديث المدنية بالمدينة المنورة بينهما تطابق وتشابه في التأسيس واﻷهداف ومراحل التعليم؛ فهما يمثلان صفحات مشرقة من تاريخ التعليم بالمملكة، ولابد من الحفاظ على تلك الجهود والتوجيهات السامية التي صدرت منذ عهد الملك عبدالعزيز بالموافقة على التأسيس، وأيضا من مبررات المحافظة عليهما ارتباطهما بالتعليم العالي لعلوم الشريعة وكثير من طلاب العالم يرغبون دراسة العلوم الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى وجود أوقاف خاصة.. وهذه المبررات إذا أضيفت إلى إمكانيات الدار في المباني والأوقاف فإن إنشاء كلية دار الحديث المكية تابعة لجامعة أم القرى هو الطريق والإجراء المناسب للحفاظ على هذا السجل العلمي الزاهر.

ealfaide@