الرأي

تأسيس المستقبل

حسن علي العمري
شعب وقيادة ووطن نبت هنا من جذور التاريخ وعمق الجغرافيا وتراكم الحضارة منذ أن غرست السيوف في جبين الصحراء، في رحلة البناء المتتابع من ألف باء التأسيس والسير بثبات رغم الكبوات نحو وجودية الكيان الكبير الذي قام على دماء الصادقين وعرق المخلصين الذين تجاوزوا صعوبات وعراقيل البدايات في المشوار الطويل لتحقيق الحلم العظيم، عندما كتبت الحكايات الطويلة ونقشت الأمجاد البطولية وترسخت دعائم الدولة وبنيت أسسها وتشكلت هويتها في ظل تجاذبات الأطماع الأجنبية المختلفة والصراعات المحلية المتنوعة.

من يحتفل بمحطات حياته التحولية ليس إلا من أدرك حجم التحديات وقيمة المنجزات وطعم النجاح والتميز، فكيف إذا كان صاحب ذلك الاحتفال هو الوطن الذي يتباهى بماضيه كجزء من بناء حاضره الذي تشكل من قلب المخاطر والعثرات، ليفرز وطنا عظيما يصل في مراحل متقدمة من مسيرته بأن يكون محور ارتكاز دولي ومؤثر دولي ومصدر إشعاع يضيء العالم، ولتكون دولته فتية قوية فكيف لا يستحق فرحة يباهي بها كل مناسبات العالم وأعيادها.

في هذه الرحلة التأسيسية الفريدة الكثير من المحطات الهامة التي تختزنها ذاكرتها من الدروس والعبر بما فيها من التوحيد بين أطياف الناس وأعراقهم وإشراقة المعرفة ونشر العلم والتنمية وحياة الاستقرار ما يجعل المتأمل يقف لها ولمن مضى في أسرابها عبر الزمن بمزيد من التقدير والاحترام لمن بذل حياته وفكره وما يملك لكي تنعم بها اليوم هذه الأجيال في صحراء قاحلة لم يكن أكثر الناس تفاؤلا يحلم فيها بأكثر من قوت يومه فحسب.

كانت فكرة خلاقة أن يخصص يوم عيد وطني ومجد عظيم يسمى بيوم التأسيس بما تعنيه الكلمة من معنى تتفرد به المملكة العربية السعودية عن بقية نشوء كثير من دول العالم التي قامت بعد ثورات أو انفصال أو استقلال أو تحرير، ذلك اليوم الذي سطع فيه نور أضاء عتمة الجهل والشقاق والتشرذم ولازال، وفيه يعبر أبناؤها عن فخرهم واعتزازهم بتاريخ وطنهم وينظرون لعمق التاريخ لتلك الصعوبات التي صاحبت تلك البداية وحجم المشقة من الأجداد لبناء الأمجاد وتشييد هذه البلاد وعمروها والأحداث التي كانت تمهد لولادة وطن كبير عظيم يكون موئلا لكل العالم والذي لم يضق يوما بأحد ممن وفد إليه وكان صادقا محبا له، بل إنه تحمل من نكران البعض وجحودهم الشيء الكثير سواء على مستوى الأفراد أو الدول، لتصبح حكاية فخر تتناقلها الأجيال المتتالية بزهو يزدان جمالا مع كل رواية جديدة لهذه القصة الممتعة، عندما تحكى بفخر عن قبلة العالم ومنارها.

ولنعيش مع وطني الكبير هذا الكرنفال مستحضرين الصور الذهنية الباهية بين الكينونة والصيرورة في ذكرى سمو السيادة والريادة التي تتجدد بالمكان الراسخ بين الأمم وتسير بمعجزات تتوالى على أرضنا المتنوعة من رمالها ووهادها إلى قمم جبالها وبطون أوديتها وشواطئ وأعماق بحارها بتوفيق الله ورعايته في السعي المستمر والمتكامل لتحقيق العدالة الاجتماعية، والنمو الاقتصادي وترسيخ مفهوم دولة القانون.

hass_qr@