الرأي

متى تنصف «الأتمتة» المنشآت الخاصة كما أنصفت الجهات الحكومية؟

موفق النويصر
أخبرني صديق أنه لم يعرف المعنى الحقيقي للمثل الشعبي المصري «هو دخول الحمام زي خروجه؟!» إلا عندما فتح سجلا تجاريا، وقرر بعد أن فشل مشروعه أن يشطبه.

القصة بدأت معه عندما استجاب لإغراءات وزارة التجارة بفتح سجل تجاري عبر موقعها الالكتروني لبدء مشروعه الخاص، حيث تطلب الأمر منه فعليا هوية وطنية مربوطة بنظام أبشر وضغطة زر واحدة، ليُفتح له بعدها تلقائيا حساب في وزارة التجارة والغرفة التجارية، وآخر في التأمينات الاجتماعية، ورقم مميز في هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، وحساب منشأة في وزارة الموارد البشرية.

سبق ذلك أن استقال من عمله، وحصل على نهاية خدمته لدى الغير مدة 15 سنة، فجعلها نواة لمشروعه. عمل دراسة جدوى ملائمة. استوفى جميع الاشتراطات الحكومية. استخرج التصاريح والرخص اللازمة. استأجر المكان وأثثه. وظف سعوديين واستقدم آخرين، قبل أن يبدأ العمل.

مرت السنوات الأولى مصحوبة بنجاحات متواصلة، وتحقيق أرباح متعاظمة، وصرف حوافز تشجيعية للعاملين، أتبعها توسع في النشاط وزيادة في الفروع.

وفجأة تبدل كل شيء بالتزامن مع جملة قرارات فوجئ بها القطاع، ليقرر الانسحاب والتصفية بعد أن شعر -بحسب وصفه- أنه يعمل فقط لسداد الرسوم والغرامات المفروضة عليه، حيث لا يتبقى له بنهاية الشهر ما يكفي لصرف رواتب العاملين لديه، فيضطر إلى جبر ذلك من حسابه الخاص الذي ادخره من أرباح سنوات الرخاء. وعندما جف ذلك الحساب قرر شطب السجل التجاري.

في بادئ الأمر توقع أن يكون الشطب بضغطة زر واحدة كالفتح، لكنه فوجئ باشتراط وزارة التجارة إسقاط عمالته من خلال وزارة الموارد البشرية وليس عبرها. ففعل، وبعد أن تأكدت من ذلك شطبت له السجل.

هذا الشطب لا يعني شيئا لهيئة الزكاة والضريبة والجمارك كونه مطالب بسداد مستحقاتها أولا، وإلا ستعتبر السجل نشطا يستحق دفع الزكاة عليه، وفرض غرامات التأخير بحقه، حتى استيفاء كامل المبالغ. في حين كان بإمكانها تجميد السجل، والتعامل مع المديونية بالطرق النظامية، بدلا من إرهاقه بمديونيات جديدة.

كذلك الحال مع التأمينات الاجتماعية، التي لا تعترف بالشطب الالكتروني لإغلاق حساب المنشأة لديها، بل تشترط تحميل نموذج من منصتها الرسمية وتعبئته يدويا، ومن ثم إرساله لها من جديد، مصحوبا بصورة الهوية والسجل المشطوب. مبررة ذلك لضمان عدم وجود مبالغ متأخرة عليه، رغم أنها لا تغلق الحساب تلقائيا، حتى لو لم يكن عليه مبالغ متأخرة. الأمر الذي يفسره صديقي بأنه إجراء تتخذه «التأمينات» لحرمانه من فرصة الاستفادة من برنامج «ساند» للعاطلين عن العمل، بحجة أن لديه سجلا تجاريا.

اللافت أن المتعامل مع الجهات الحكومية المعتمدة إجراءاتها على «الأتمتة» يشعر بأن هذه «الأتمتة» منضبطة 100% عندما تكون إجراءاتها لصالحها، وعلى العكس من ذلك عندما تكون ضدها.

بمعنى، عند تأخر منشأة خاصة عن دفع رواتب العاملين لديها؛ فالنظام يفرض عليها غرامة مالية تحت بند «حماية الأجور»، وهو إجراء منصف لو كان التأخر عن عمد وسوء نية. لكنه سيكون مجحفا ولا إنسانيا وسيزيد من أعباء المنشأة، عندما يكون التأخر سببه عدم تسلمها لمستحقاتها لدى جهات حكومية وأخرى خاصة، ولم تكتشف ذلك «الأتمتة».

كذلك الحال عند تأخرها في سداد رسوم حكومية مستحقة، فتُعاقب بالغرامات المالية، يتبعها تجميد حساباتها في «التأمينات» و«الجوازات» و«الموارد البشرية» و«البنوك» لإجبارها على السداد، دون أن تميز تلك «الأتمتة» أن لهذه المنشأة مستحقات واجبة السداد لدى وزارة المالية ولم تتسلمها؛ لأنها «تحت المراجعة» منذ أشهر.

مثال آخر، عندما طبقت ضريبة القيمة المضافة في يناير 2018 نجحت «الأتمتة» منذ اليوم الأول في إلزام المنشآت الخاصة بإصدار فواتيرها مقرونة بالضريبة، وتوريد مبالغها لوزارة المالية، وإلا ستكون عرضة للغرامات المنصوص عليها في النظام.

لكن «الأتمتة» نفسها احتاجت 34 شهرا لتدرك أنها أخطأت بحق المنشآت الخاصة المتعاملة مع المنشآت الحكومية، فكيف تطالبها بسداد ضرائب لم تستلم مبالغها بعد، فأجازت لها قبل أيام بإصدار فواتيرها بعد أن تتسلم مستحقاتها لدى المنشآت الحكومية، أما ما يتعلق بغرامات السنوات الماضية؛ فلم تأت «الأتمتة» على ذكرها نهائيا.

أعلم يقينا أن النظام أتاح باب المراجعة والاستدراك لتصويب الخطأ متى ما وقع، ولكن يعلم الجميع أن التصويب لا يسير دائما بنفس السرعة التي حدث بها الخطأ، بل يحتاج لعمليات معقدة وأخرى مشفرة لاستدراكه، للدرجة التي قد تجعلك تشعر بالمهانة وأنت تطالب به، فتقرر أن إهماله وتركه أفضل من السعي خلفه، حيث لا يمتلك البعض رفاهية الوقت والانتظار، وليس لدى الكل القدرة على تحمل المزيد من الصدمات والانكسارات.. فهل تنجح «الأتمتة» في تمييز حقوق المنشآت الخاصة كما ميزت حقوق الجهات الحكومية؟

@alnowaisir