الرأي

البوكيمون جو... البعبع الجديد

خالد عبدالرحيم المعينا
في فترات كثيرة من التاريخ الإنساني ظهرت شخصيات أو موضوعات، حقيقية أو خيالية، شغلت الناس وأثارت مخاوفهم وبثت القلق والتوتر في نفوسهم. وأطلق الناس على هذه الشخصيات اسم «البعبع» واتخذوه أيقونة للخوف وقد ظهر الكثير منها عبر التاريخ القديم والحديث وذلك نتيجة لأن الناس صدقوا أنه حقيقة وأنه يمثل خطرا داهما يجب توخي الحيطة والحذر منه. وفي الولايات المتحدة في خمسينات القرن الماضي، كان الشيوعيون هم البعبع الحقيقي في البلاد سيما عندما بدأ السيناتور جوزيف مكارثي، حملة شعواء لتطهير أمريكا من الشيوعيين. وقد ولدت عن هذه الحملة العبارة المشهورة «هناك شيوعي أحمر تحت كل سرير». وقد أثارت هذه الحملة، أو ما يعرف بالحقبة المكارثية، مخاوف الناس وأصابتهم بالذعر خاصة الكتاب، والمخرجين السينمائيين، والمنتجين وغيرهم. وإذا كان الشيوعيون يمثلون البعبع الذي يخيف الأمريكان في ذلك الوقت فقد حل المسلمون مكانهم باقتدار الآن فكل ما هو إسلامي أصبح مخيفا للأمريكان والغربيين عموما. وبعيدا عن السياسة فقد ظهر أخيرا بعبع افتراضي إسفيري هو البوكيمون جو الذي استطاع أن يجذب الملايين ويربطهم في أجهزة الهواتف الذكية لأوقات طويلة في اليوم. وقد وصلت هذه اللعبة إلى المملكة مثلها مثل الدول الأخرى وسط تفسيرات متباينة فمن العلماء ما ذهب إلى تحريمها ومنهم من اعتبرها خيانة وطنية ومنها من قال إنها محاولة أمريكية للتجسس على بلادنا. وقد ظهرت فتاوى من بعض العلماء تقضي بحرمانية هذه اللعبة واعتبرتها مضيعة للوقت ومؤامرة لإبعادنا عن الخط المستقيم الذي دأبنا على السير عليه. وقد رد رجل أعمال من جدة على هذه الفتاوى التي تحرم لعبة البوكيمون بقوله «أليس الفساد أيضا محرما؟ أليس تأخير رواتب العمال المقيمين لمدد طويلة حراما أيضا؟ أليست المعاملة السيئة للمقيمين بيننا أيضا سلوكا غير إسلامي وحراما؟» واختتم رجل الأعمال تساؤلاته بقوله «إلى أين نحن ذاهبون حقيقة؟». والغريب في أمر هذا البعبع الجديد أنه لم يسلم من ألسنة بعض أئمة المساجد الذين تناولوا في خطب الجمعة خطورة البوكيمون على المجتمع وأنها شر مستطير يجب تجنبه والبعد عنه. وبدل الحديث عن لعبة البوكيمون وهل هي حلال أم حرام، كان على هؤلاء الأئمة التركيز على قضايانا الملحة وهمومنا المتزايدة وعليهم أن يكونوا القدوة والمنارة خاصة للشباب وأن يقدموا مبادرات مفيدة للمجتمع كأن يسهموا في حملة لنظافة المدن وتشجيرها أو أن يخصصوا إحدى الجمع للحديث عن مكارم الأخلاق التي جاء الإسلام متمما لها والتي تستأثر بغالبية أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكنت أحلم، بل وأتمنى أن ينخرط عدد من أئمة المساجد وكبار العلماء وقادة الفكر في حملة واسعة لنظافة الكورنيش الذي أصبح حاله لا يسر رغم أنه يظل أحد المعالم السياحية البارزة في مدينة جدة. وليس سرا أنه في جميع الدول تقريبا يشارك كل الناس بما فيهم القادة والزعماء في مثل هذه الحملات للمحافظة على نظافة بلدانهم وجمالها. وحتى الرئيس الأمريكي نفسه، وهو رئيس أكبر دولة في العالم، لم يتأفف عن الاشتراك في حملات النظافة. وفي الغرب عموما يشارك رجال الدين من قساوسة ومطارنة في الحملات التي تكون لصالح المجتمع. وكنت أتمنى من كل قلبي أن أرى الأئمة والدعاة وهم يتقدمون الشباب في العمل التطوعي أثناء كارثة الأمطار والفيضانات في جدة في نوفمبر عام 2009. وثار كثير من الجدل والناقشات حول لعبة البوكيمون وكأنها أصبحت شغلنا الشاغل والبعبع الجديد الذي يخيفنا وتناسينا في غمرة انشغالنا بأمر هذه اللعبة الكثير من قضايانا الملحة والأخطار المحدقة بنا منها على سبيل المثال وليس الحصر الانفجار السكاني، والفساد، والرشوة، والمحسوبية وعدم التسامح، والضيق من الرأي الآخر، وشح المياه وغيرها. ويبدو أننا قد جنحنا وتعدينا حدود المعقول وبدأنا نسمع ونقرأ مختلف البيانات الهستيرية التي تصدر عن كبار المسؤولين. وقد أصابني الحديث الكثير عن البوكيمون بالإحباط من مجتمعنا إلى جانب الحزن والألم وخيبة الأمل. وبدا فجأة وكأننا قد نسينا أو تناسينا أمر داعش، والإرهاب، والقضية الفلسطينية وغيرها من أمور مهمة في غمرة انشغالنا بالمخاطر الكامنة للعبة على الهواتف الذكية. هذا الانشغال بأمر لعبة تافهة يقول كل شيء عما آل إليه حال مجتمعنا. almaeena.k@makkahnp.com